لو كان للعرب نظام إقليمي شامل وملزم، لما وصل حالهم لما وصل إليه اليوم، بل لو جددوا نظامهم الحالي الذي أقروه عام 1945 من خلال ميثاق جامعة الدول العربية، لتفادوا كثيراً من نقاط الضعف والويلات والإهانات والاعتداء على حقوقهم، وتعثُر تحريرهم واستقلالهم الوطني الناجز سياسياً واقتصادياً، ولكانوا شركاء مع أمم الأرض الأخرى، ودول العالم المتقدمة والنامية، في تقرير مصيرهم ولعب دور عالمي مؤثر وفعال يستحقونه، إلا أنهم مع الأسف سجنوا أنفسهم خلال خمسة وستين عاماً في قفص نظام متهالك دون أن يحاولوا تطويره أو أن يقبلوا أية محاولة في هذا الاتجاه.

وقد استمرأت بعض الحكومات العربية استمرار العمل بالنظام العتيق لأنه يحررها من العمل الجماعي، والتضامن العربي، والالتزام بالقضايا العربية.

ويبقيها تغرد كما تريد داخل السرب وخارجه، وكأن سياسة كل حكومة نظام لوحدها، أو كأن هذه الحكومة عالم مستقل لا يهمه ما يجري حوله، ولا ما تواجه شقيقاته الإقليميات من مصاعب وعقبات، ويسعى لخلاصه دون الاهتمام بمشاكل الأشقاء وصعوباتهم أو المشاكل والأزمات التي تواجه الجميع والمخاطر المشتركة التي تنتظرهم، وأخذنا نسمع نداءات (بلدنا أولاً) يقولها قائلوها بفخر واعتزاز بل و(بعنجهية) مشهودة.

ولا أعرف كيف يمكن أن يربح بلد في عصرنا أو يحل مشاكله ويواجه صعوباته دون الاستعانة بنظام إقليمي يعاونه ويدعمه، في عالم تتنافس فيه الأنظمة الإقليمية لا الدول فقط، وتحتاج فيه كل دولة إلى من يتحالف معها، ويتكامل مع سياساتها ومصالحها، فكيف إذا كانت لدول الإقليم ثقافة وقومية واحدة وكانت شعباً واحداً، ومصالحها مشتركة، وتضامنها ضروري، ووحدتها لابد منها؟

أقر العرب نظامهم الإقليمي الممثل بميثاق جامعة الدول العربية عام1945، وكان من أوائل الأنظمة الإقليمية التي أقرت في عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية بل كان أولها، وكانوا سباقين لإدراك أهمية التضامن متعدد الجوانب، واستشفاف مستقبل التطورات العالمية، التي دفعت فيما بعد لقيام أنظمة إقليمية متنافسة، فقام النظام الأوروبي، ثم الآسيوي، ثم الأميركي.

وقبل ذلك قامت أنظمة عسكرية ممثلة بحلف شمال الأطلسي، وحلف وارسو، وامتلأ عالمنا بالمنظمات والأنظمة الإقليمية، وصار متعذراً أن يحل بلد مشاكله ويكمل خطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية دون الانتساب إلى نظام إقليمي، أو الاستعانة بمثل هذا النظام، بل جاءت اتفاقية التجارة العالمية فوسعت الدائرة، وأبرزت الحاجة لا لنظام إقليمي فقط بل لنظام عالمي.

كان بإمكان العرب، لو جددوا نظامهم الإقليمي منذ وقت مبكر، أن يحلوا معظم ما واجههم من صعوبات متعددة الجوانب متنوعة الأشكال، ولما كانت مشاكل جنوب السودان ودارفور والأمازيغ والقضية الكردية وغيرها، دملاً في خاصرة الأمة.

ولو كان للعرب نظامهم الجديد أو المجدد، لما استطاعت إسرائيل أن تستهين بهم وبحقوقهم وتمارس عنصريتها وصلفها وتطرفها وعدوانها دون أن تخشى لومة لائم، وتستبيح الأرض والعرض، وتأسر أكثر من إثني عشر ألف أسير دون أن يطالب بهم أحد، ولا تجد هذه الجرائم أي رد فعل لدى دول العالم، وكأن الضمير الإنساني والشرعية الدولية في إجازة لا نهاية لها.

عندما أقر العرب نظامهم الإقليمي قبل خمسة وستين عاماً كان خطوة رائدة وجديدة في عالم ذلك الزمان، مهما كان محتواه وبنوده وأهدافه ووظيفته، لأن مجرد صدوره كان يعتبر مكسباً هاماً للعرب، واعترافاً بوحدتهم القومية، ورابطتهم الإقليمية، وسبيلاً لإقامة منظمات ومؤسسات عربية مشتركة اقتصادية وتجارية وثقافية وتعليمية بل اتصالية وخدماتية وغير ذلك، واعتبره المؤسسون الأوائل أساساً للوحدة العربية المنشودة إذا خلصت النيات والتزمت الحكومات، لأنه لامس كل ما يحتاجه التضامن والوحدة مستقبلاً.

لكن الخطأ القاتل الذي حصل في إعداد الميثاق هو أنه أبقى تنفيذ مواده، أو قرارات المجالس والمنظمات المنبثقة عنه، اختيارياً، يعود لقناعة كل عضو فيه، حتى لو كان القرار بالإجماع، وعليه ألم يهتم الميثاق بالالتزام والإلزام، وترك لكل دولة أن تغرد خارج السرب دون أن يلومها أحد، ولذلك تجمد الميثاق والمؤسسات والمجالس، وهذا ما جعله يضعف ويتراجع ويعجز عن مواكبة احتياجات أعضائه،.

ويترك السياسات الجماعية العربية، والقرارات المشتركة سارية دون رادع أو ضابط وحبراً على ورق. بينما نلاحظ أن المنظمات الإقليمية التي قامت بعد سنوات طويلة من قيام النظام العربي، حققت منجزات لو حققها العرب لكانوا غير ما هم عليه اليوم، سواء في المجالات السياسية أم الاقتصادية أم الثقافية أم قبل ذلك وبعده في المجالات الاستراتيجية وقضايا تحرير الأرض والتحرر القومي والسياسي.

مع أن المنظمات الإقليمية في العالم كله تضم شعوباً ودولا مختلفة اللغات والمصالح والأهواء والمطامح، بينما نظامنا العربي يضم دولاً مهما تعددت فهي لشعب واحد، ومصالح مهما تنوعت فهي مصالح شعب واحد، وهموماً واهتمامات واحدة، ولكن معظم أنظمتنا السياسية استطابت عدم الخضوع للقرارات المشتركة، ولم تعد تتذكر أنها عضو في نظام إقليمي إلا عندما تقع عليها الواقعة، فتلجأ إليه علّه يخلصها من مصيبتها، وعندها فقط تأسف أن هذا النظام مازال غير ملزم.

كاتب سوري

odat-h@scs-net.org