الإحساس بالمسؤولية المجتمعية يكاد يكون مغيبًا عند شريحة كبيرة من أفراد مجتمعنا. نرى كثيرًا من الناس يهتمون بما يخصهم فقط، لكنهم لا يبالون إطلاقًا بالملكية العامة، وقد تصل بهم اللامبالاة حد الاستهتار بها، بل وتخريبها عمدًا.

لا أرى فرقًا كبيرًا بين الإهمال والتخريب، كلاهما يؤدي إلى النتيجة نفسها، الفرق الذي يبدو لي فقط هو أن أحدهما يتوافر فيه سوء النية، والآخر لا يبدو سوء النية حاضرًا، إلا أن حسنها أيضًا مغيب لا وجود له. ولكن -كما ذكرت- كلاهما يتسبب في النتيجة ذاتها.

الأمثلة كثيرة، تكشف بشكل أو بآخر عن مدى قصور فهم بعضنا لمعنى الملكية العامة، وانحصار فهمهم واهتمامهم بما يدور في دوائرهم الخاصة فقط، ففي كثير من الأحيان، نجد أن بعض الناس يستهلك من ورق التنشيف في دورات المياه في المطاعم أو المراكز التجارية كميات كبيرة، أكثر بكثير مما يحتاجه الوضع، يرمي به في سلة المهملات .

وهو في جزء كبير منه جاف لم يصله البلل لأن جزءًا آخر من هذه الكمية الكبيرة التي استعملها قامت بالدور نيابة عنه، وأتساءل وأنا أرى هذا المنظر أمامي يتكرر باضطّراد لافت: هل يقومون في منازلهم بالفعل نفسه؟ وهل يسمحون لأطفالهم بالعبث بالمناديل الورقية ونثرها على الأرض لا لشيء سوى أنها مجانية ولا تكلفهم شيئًا؟!

لا أظن ذلك، فهذا مال عام، يقدم مجانا، لا يُحسب له حساب، ولا تدرك قيمته، أما الذي في المنازل فمال خاص، «متعوب عليه»، يهمهم أن يصرفوه كما يجب أن يُصرف، لا أن يبذروه هم وأطفالهم دون داع.

بدأت بالمثال الأسهل، والأخف، أما ما هو أصعب وأثقل وزنًا فما نجده من تخريب للحدائق العامة، وكأن الناس لا تعلم ـ حتى هذا اليوم- أن علينا جميعا المساهمة في جعل دولتنا خضراء تسر الناظرين، وكأنهم لا يعلمون ؟ حتى هذا اليوم أيضًا- أن قطف الأزهار، أو المشي دون انتباه واهتمام في الحدائق العامة قد يؤذي الأزهار والشجيرات التي تزينها، وتؤثر على جمالها.

كذلك، يبدو أن الناس لا يعرفون ـ حتى هذا اليوم!- أن عليهم أن يحافظوا على نظافة المكان الذي يجلسون فيه سواء أثناء جلوسهم فيه، أو بعد مغادرتهم له،.. لا يهم إن كان هذا المكان حديقة عامة، أو شاطئ بحر، أو غير ذلك، المهم هو الحفاظ على نظافة المكان.

وبالتالي جماله، فالنظافة والجمال لا يفترقان، وأعيننا لا تزال توجعنا حين نمرّ بأحد الأماكن الجميلة، ونجد بقايا طعام، وأكياس وعلب فارغة، ومحارم ورقية، وغير ذلك ملقى على الأرض، أو يتحرك محدثًا شيئًا من الضوضاء بفعل ريح خفيفة، أو قدم طفل وجدتها تصلح لأن تلعب بها كرة قدم.

وأتساءل أيضًا في مثل هذه الحالة: هل كانوا سيتركون المكان بهذه القذارة إن كانوا في حديقة منزلهم، أو حول مسبح يقع في مزرعتهم، أو حتى في فناء البيت؟ ويتكرر الجواب نفسه ويلح عليّ إلحاحًا يؤكد لي أن هذا مستبعد، إلا في حالة من يجهل أبجديات النظافة أساسًا، وهو خارج حسبتنا واهتمامنا.

مثال آخر في السياق نفسه وهو ما أشار له مسؤول في هيئة الطرق والمواصلات في إحدى إمارات الدولة عن شكاوى بعض الناس من عدم فعالية أجهزة التكييف في مظلات محطات انتظار الحافلات العمومية، وقال إن هذه المكيفات تعمل بشكل جيد، لكنها تتأثر بسوء استخدام بعض الركاب لهذه المظلات.

حيث يترك بعضهم باب المظلة مفتوحا لمدة طويلة، مما يؤدي إلى دخول الهواء الساخن بما يحمله من رطوبة إلى داخل المظلة، وتسرب الهواء البارد خارجها، ومن الطبيعي بعدها أن يكون الجو داخل المظلة حارًا، وكأن التكييف لا يعمل، كما أنه من الطبيعي أن يتعطل جهاز التكييف أو يتوقف عن العمل.

إن معظمنا لا يفعل ذلك في بيته ولا حتى في سيارته، فهو يحرص على إحكام إغلاق الأبواب والنوافذ حين يكون جهاز التكييف مفتوحًا، لأنه يدرك أثره السيئ فيه، لكن بعضنا لا يتردد في أن يفعل شيئًا آخر حين يكون خارج منزله ويستعمل ملكية عامة، لا تضره شخصيًا بشكل مباشر، مع أنه لو فكّر قليلا لوجد أنه أول المتضررين من سوء استخدام الملكيات العامة، لأنه سيحتاجها في وقت آخر وسيجد ما تسبب في تعطيله أو خرابه لا يعمل، وسيشعر حينها بقيمة المحافظة عليه.

في سياق مماثل، وهنا مثال أكثر صعوبة، وأثقل وزنًا، أذكر ما نُشر قبل أيام عن شركات مقاولات تسببت في أضرار لحقت بشوارع إحدى مدننا الجميلة تبلغ قيمتها 2, 6 ملايين درهم! وهذه قيمة 14000 مخالفة لحقت بهذه المدينة المتألقة في الشهور الأولى من هذا العام، فكم سيكون عدد المخالفات إذا انتهى العام؟ إنما علم هذا عند ربي. لكن السؤال المهم هو: ما الذي أدى إلى حدوث مخالفات وصلت إلى هذا العدد، وهذه القيمة؟

ستقوم هيئة الطرق والمواصلات في هذه المدينة بتغريم الشركات المتسببة في هذه الأضرار، وقد تدفع هذه الشركات مخالفاتها، وقد تجد لها بدائل كثيرة تغني عن الدفع، لكن المهم هو لماذا تركنا الحال يصل إلى ما وصل إليه؟

وكيف استطاع العاملون في هذه الشركات القيام بمخالفات كبيرة ومشوهة لجمال درة من درر الخليج على هذا النحو دون أدنى إحساس بالمسؤولية تجاه المكان الذي يعيشون فيه ويعملون فيه ويجنون رزقهم وقوت يومهم منه؟ كيف بدا التخريب والتكسير والتسبب بتصدعات وتشققات في الإسفلت، أو هبوط للشارع نفسه، أو الأرصفة، أو السياج الفاصل، أو أعمدة الإنارة، أو اللوحات الإرشادية، سهلا وممكنًا؟!

نعود للفكرة نفسها إذن، إنه أحد أمرين: الإهمال أو التخريب، وكلاهما ناتج عن خلل ثقافي بالدرجة الأولى، واجتماعي، ولا يخلو الأمر من بعد وطني حين يصدر من أبناء الدولة أنفسهم، الذين يطالبون بحقوقهم، ويريدون أن يأخذوا فقط، لكنهم لا يعرفون واجبهم تجاه وطنهم، أو حق وطنهم عليهم، مع أن وطننا معطاء يعطي أكثر مما يأخذ، لكنه يطالبهم فقط بالحفاظ عليه في السراء كما هم مستعدون للحفاظ عليه في غيرها -أبعد الله عنه وعنا الشر-. إنه مطلب بسيط، لكنه يحتاج إلى تعديل عميق يذيب الذات في المجتمع على نحو أكثر دقة وفعالية.

جامعة الإمارات

sunono@yahoo.com