يشهد العالم انحساراً واضحاً في النفوذ الأميركي على مستوى واسع، رغم بقاء الولايات المتحدة القوة الأكبر في العالم على الصعيدين العسكري والاقتصادي.

ولعل ذلك مؤشر هام على بدايات نشوء نظام عالمي جديد تشترك في صنعه قوى متعددة، أو عودة إلى أجواء الحرب الباردة في ضوء الخلافات الجوهرية بين روسيا والولايات المتحدة، والتي تتعلق بقضايا عديدة أبرزها: تسليح جورجيا وانضمام أوكرانيا إلى حلف الأطلسي، ونشر الدرع الصاروخية المضادة للصواريخ في جمهوريتي بولندا وتشيكيا.

والموقف من البرنامج النووي الإيراني. هذا على الرغم من حرص الرئيسين، الأميركي والروسي، على توقيع اتفاقية جديدة تحل بدل اتفاقية «ستارت 1»، التي توشك على الانتهاء، لإجراء المزيد من التخفيض في عدد الرؤوس النووية ووسائل إطلاقها.

لم يستمر الحلم الأميركي في الهيمنة على مقدرات العالم في القرن الحادي والعشرين طويلاً، فمنذ صياغته عام 1997 في عهد الرئيس كلينتون، استناداً إلى المبادئ الثلاثة التي وضعها الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريغان، وهي أن تمتلك الولايات المتحدة قوة عسكرية تستطيع بوساطتها مواجهة تحديات الحاضر والمستقبل، وتنتهج سياسة خارجية تفرض فيها المبادئ الأميركية على العالم، ويتربع على سدة الحكم قادة يدركون مسؤوليات الولايات المتحدة نحو العالم.

تمسك المحافظون الجدد الذين استلموا قيادة الولايات المتحدة على مدى ثماني سنوات، خلال عهد إدارة الرئيس السابق جورج بوش، بهذا الحلم، وأدخلوا بلدهم في متاهات كثيرة. فالسياسات التي اتبعتها إدارته كانت ذات طابع اقتحامي فج، ظاهرها مكافحة الإرهاب وجوهرها الحقيقي الهيمنة على أهم مصادر الطاقة في العالم، مما زاد في عدد المعادين لها، وتغيرت أساليب التعامل معها حين اعتبرت العديد من الحركات الوطنية ضمن قائمة الإرهاب.

وقد عانت منطقة الشرق الأوسط، بشكل خاص، الكثير من جراء تلك السياسات التي عززت من مواقع الحركات الأصولية، كردود أفعال للهجمة التي تعرضت لها في عدد من دول المنطقة، كما عززت هواجس الحكومات في المنطقة حول حقيقة النوايا الأمريكية.

ومع أن السنوات الأولى كانت مدعاة زهو لتلك الإدارة وفخر لها، فقد حصدت نجاحات سهلة جداً في أفغانستان والعراق في السقوط السريع لنظاميهما. إلا أنها ما لبثت أن بدأت تجني تداعيات تلك الهجمة لاحقاً، فقد ارتفع عدد ضحايا القوات الأمريكية في العراق، القتلى والمصابين والمعوقين، إلى أرقام لم تكن في حسبان مخططي الحروب.

وأصبحت أفغانستان ساحة حرب تورط فيها حلف الأطلسي. وفشلت الولايات المتحدة في تسويق مشروعها السياسي للشرق الأوسط الكبير، وتراجعت في تنفيذ وعودها بإنشاء الدولة الفلسطينية التي وعد بها الرئيس بوش في فترة رئاسته الأولى، فقد كان انحيازها لإسرائيل مطلقاً، على خلاف ما هو معروف من مواقف الحزب الجمهوري الذي يعتبر أقل تعاطفاً مع الحلم الصهيوني من الحزب الديمقراطي.

وشهدت السنوات التي تلت فترة الزهو، انحساراً وجموداً حصدت الولايات المتحدة فيها تراجعاً كبيراً في صورتها على المستوى العالمي، واختلت علاقاتها مع بعض حلفائها الأوروبيين، وفشلت في التعامل مع الملف النووي الإيراني، ووجدت نفسها غير قادرة على إسقاط الأنظمة المعادية لها في القارة اللاتينية كما كانت تفعل في الماضي. وأسهمت الأزمة المالية العالمية في تعميق محنتها لتجبرها على التراجع نحو الداخل.

لم يأت الفوز الكاسح للرئيس أوباما إلا ليعبر عن الرغبة في التغيير لدى الرأي العام الأميركي، ورفضاً لمنهج المحافظين الجدد. وها هو الرئيس الجديد يواجه مشاكل الشرق الأوسط، بعد أن زادتها سياسات الإدارة السابقة تشنجاً وتعقيداً، بسياسة فيها قدر كبير من الانفتاح وبروح إيجابية، مع ملاحظة عدم إخلاله بالثوابت التي انتهجها الرئيس بوش.

وأبرز المشاكل التي تلعب الولايات المتحدة دوراً هاماً فيها، هي الوضع في العراق والوضع في أفغانستان والملف النووي الإيراني والقضية الفلسطينية.

فبالنسبة للوضع في العراق فإن سياسة أوباما لا تختلف عن سياسة سلفه سوى في بعض القضايا غير الجوهرية، كوضع جدول زمني مختلف لسحب القوات الأمريكية من العراق.

أما في أفغانستان فقد اتخذ قراراً بزيادة عدد القوات الأميركية، ومارس الضغوط على حلفائه في حلف الأطلسي لزيادة مساهمتهم في دعم حكومة حامد كرزاي لمواجهة التصاعد في نشاط حركة طالبان المعادية، كما قدم دعماً كاملاً للحكومة الباكستانية، سياسياً وعسكرياً، في حملة كبيرة تشن على هذه الحركة في الأراضي الباكستانية.

الاختبار الحقيقي للرئيس الجديد هو في مواجهة قضيتين ملتهبتين: الملف النووي الإيراني، والقضية الفلسطينية، فهو في مقاربته للأولى قد اصطدم بالتعنت الإيراني، وفي مقاربته للثانية اصطدم بالصلف الإسرائيلي.

فهل سيتمكن الرئيس أوباما من مقاربة هاتين القضيتين دون التخلي عن بعض حسابات الدول العظمى؟ فحصول إيران على القدرات النووية غير حصول الباكستان عليها، وذلك لما لإيران من موقع جغرافي مهم تطل فيه إطلالة واسعة ومباشرة على منطقة المصالح الأمريكية في شرقها وفي غربها وفي جنوبها، ولما لإيران من سجل حافل في عداء الولايات المتحدة منذ قيام الجمهورية الإسلامية.

أما بالنسبة للقضية الفلسطينية، فالرئيس أوباما قد أقر في برنامجه الرئاسي وفي خطبه وفي تصريحاته، التزام الولايات المتحدة بحل الدولتين. فما الذي لديه لمواجهتهما؟

إيران من جانبها بدأت تعتبر التهديدات الأميركية باللجوء إلى القوة لإجبارها على التخلي عن برنامجها النووي، تهديدات جوفاء غير جادة، وذلك لأن الظروف الداخلية في الولايات المتحدة والأوضاع العالمية لا تتيح لها تحركاً ضد إيران بشكل يحظى بغطاء شرعي دولي، وبأداء يضمن عدم تعرض مصالحها ومصالح حلفائها في المنطقة إلى مخاطر الانتقام، وسيكون في حالة تنفيذه بمثابة عدوان لا يتفق مع المبادئ التي تنادي بها.

لذلك فمن المرجح أن تعهد إلى إسرائيل بمهمة ذلك، سيما وأن سجل إسرائيل متخم بالعمليات العدوانية ضد جارها المباشر أو ضد من هو بعيد عنها، وسمعتها لن تتأثر كثيراً بإضافة عملية عدوانية جديدة.

ولكن ذلك لن يكون من دون ثمن كبير يدفع لها، على حساب الحق الفلسطيني أولاً والحق العربي ثانياً، وهو ما يختص بمواصفات الدولة الفلسطينية: حدودها، سيادتها، عاصمتها، جيشها، برامجها التنموية، علاقاتها مع دول المنطقة الأخرى، وغير ذلك من التفاصيل الكثيرة التي سيسهم المشرط الإسرائيلي في عملية صناعتها.

كاتب عراقي

majamal@emirates.net.ae