عاشت جامعة الدول العربية حتى عامها الرابع والستين الآن في بيئة اقليمية ودولية غير مواتية، طرحت عليها أسئلة داخلية وتحديات وضغوطا خارجية أكثر بكثير مما أتاحت من الفرص والتسهيلات.
هناك تراكم معرفي معتبر يعزز هذه المقولة. أحد الشواهد بهذا الخصوص، أن أعضاء هذه المؤسسة، الممثل الأول للنظام الإقليمي القومي العربي، أهلكوا خمسة وخمسين عاماً من عمرها، قبل أن يتفقوا عام 2000 على إقرار رأس لها، يتمثل في القمة الدورية سنوياً. هذا مع علم الكافة بأنه ما من صغيرة ذات شأن ولا كبيرة يمكن أن تمر في الحياة العربية بدون إرادة أهل القمة..
على أن الضغوط التي أحاطت بالنظام العربي وممثله الشرعي خلال العقدين الأخيرين، كانت من الشدة والعنفوان العاصف، بحيث بدا مجرد بقائهما على قيد الحياة حدثا خارقا. نقول ذلك وفي الذهن حجم الفتن العربية العربية التي هددت قواعدها من الداخل، وعدد البدائل التي اعتصرتهما من الخارج. وجاءت هذه العروض البديلة مشفوعة بمساندة قوى دولية تربعت على عرش النظام الدولي بلا منافس تقريباً.
من أراد الاستزادة حول هذه الناحية، يمكنه أن يتأمل ملياً، كيف تضمنت هندسة التسوية العربية الإسرائيلية محاولة صريحة لإزاحة دور الجامعة العربية، وكيف اشتمل معمارها على ما عرف بمتعددة الأطراف والمؤتمرات «الشرق أوسطية»، وكيف تواكب ذلك وتوازي مع بروز «المتوسطية». وبشيء من التحليل لن يصعب استنتاج أن عملية التسوية كانت ـ ولعلها مازالت ـ مشروطة ومسكونة بمشروع لتوطين إسرائيل في نظام إقليمي لا ينبغي أن تكون العروبة سمته الفارقة.
ومع كل المعطيات المثبطة فمن الثابت في وجدان جل أبناء الأمة العربية، عامتهم قبل خاصتهم، أن الجامعة كبنية وتنظيم غير بريئة من أسباب القصور الذاتي، وأن أمانتها العامة بالذات مسؤولة عن ذلك. وهو تقدير يمكن إخضاعه للجرح والنقد، بيد أن انتزاعه من العقل العربي العام (الجمعي) عمل في غاية الصعوبة.
في التناظر العقلاني الدائر بهذا الصدد، يقال ان الأمين العام للجامعة وفريق العاملين معه، يتحركون ضمن محددات صارمة، لطالما قيدت نوازعهم وطموحاتهم ورؤاهم الذاتية.
وإحالتهم إلى إدارة تنفيذية.. لا أكثر. إنهم بلا إرادة من لدنهم، فضلاً عن كونهم حيارى بين إرادات وسياسات بعدد الدول الأعضاء. ثم أنه حتى في الحالات التي أتيح للأمين العام التحرك بمبادرة منه، لإطفاء حريق عربي هنا أو هناك أو الوقاية من اشتعال نقطة ساخنة، فقد ظل مهجوساً بحدود الجهد التوفيقي.. وهي مهمة لا تعطيه ميزة استثنائية مستقاة من موقعه القومي.
يقال ذلك ومثله، مما يدرأ عن الأمانة العامة شبهة المساهمة في تعجيز الجامعة، وهو صحيح إلى حد كبير. والواقع أن دور هذا الجهاز وقائده، محجوب بفعل هيكلية الجامعة، التي لا تشمل «سلطة شعبية» رديفة للأجهزة الرسمية، تحاسب وتراقب وتوجه، بل وتشرع؛ يستطيع الأمين العام اللوذ بها عند الضائقة.
ولذا، فانه لا يعدل توثيق القمة العربية واعتمادها علي رأس الجامعة، إلا نشوء مثل هذه السلطة، شأن الجاري في نظم إقليمية محترمة ليست لها خاصة التعبير القومي التي للجامعة العربية، كالاتحاد الأوروبي.
ينتمي لطموحات التصحيح والتطوير، ألا يظل النظر للأمين العام، لا من نفسه ولا من غيره، محصوراً في النفق الضيق الذي حشر فيه دوره منذ النشأة الأولى للجامعة.
فمن غير المعقول أن يكون كبير المؤسسة القومية العربية مجردا من ملكة المبادرة. ولا شك في أن أمانة عامة محشوة بالمؤمنين بفكرة هذه المؤسسة وأهدافها، سوف تساعده على إبداع وسائل مقاومة القيود التي تحف به.
وفي النظم الإقليمية الجادة، تكون وظيفة أعضاء هذا الجهاز تكليفاً بالريادة وبذل الجهد النضالي لتجذير الفكرة الوحدوية والدفاع عنها وإبراز فضائلها أمام الرأي العام.. وهذا يختلف عن النظرة إلى هذه الوظيفة على أنها مكافأة لنهاية الخدمة من الدول الأم.
نفهم تماماً الرأي القائل بأن موظفي الأمانة العامة لمؤسسة الجامعة، لا يستطيعون نبذ خلفياتهم وتقديراتهم للمصالح القطرية أو الإقليمية التي أفرزتهم وراء ظهورهم بالكلية.
لكن هذا التنازع بين القطري والقومي، ليس بالضرورة ظاهرة أو معطى سلبيا. فلا تثريب على هؤلاء إن راعوا في أدائهم التوفيق بين التعارضات الظاهرية والموضوعية في هذا السياق. بل إن النجاح في تحقيق هذه المعادلة يعد بنظرنا مقياساً لصحة الأداء.
ثم إنه من المسموح به والمشروع حتى داخل المؤسسات الوطنية، وفاء المسؤولين بحاجات دوائرهم المحلية بدون إزهاق المصلحة الوطنية العامة. يفعل ذلك النواب في البرلمانات ويفعله الوزراء وبقية الكوادر الوظيفية في كل مكان.
غاية القول ان ثمة حاجة للبحث المقارن بين أداء النظم الإقليمية وفقاً لحركة الأمانات العامة ونوعية فريق العاملين فيها. فعندئذ بوسعنا التعرف بشكل علمي وموضوعي على فضائل ونقائص الجامعة العربية لهذه الناحية..
غير أن تقديرنا المبدئي، بمنهج الملاحظة الصورية، يحثنا على الاستدراك أو التعجيل بالقول، بأن الأمين العام لمؤسسة من قبيل جامعتنا، يستطيع دوماً ترك بصمته الذاتية وإدراكه عليها، وذلك رغماً عن القيود القانونية (الإدارية) التي تحدد نطاق سلوكه، وكذا رغماً عن الظروف الموضوعية المحيطة بهذا السلوك.
كاتب وأكاديمي فلسطيني