على الرغم من تفشي مشاكل الجوع والفقر في العالم، وعلى الرغم من الاتساع المتزايد للهوة بين الفقراء والأغنياء، إلا أن عقلية الاستغلال الرأسمالي التي غطت معظم الأسواق العالمية الحيوية لم تألو جهدا في التوجه إلى سوق الغذاء العالمي، وخاصة سوق الحبوب.
وعلى ما يبدو أن روسيا التي تعتبر من أكبر منتجي الحبوب في العالم، وخاصة القمح، سوف تتعرض لمنافسات وربما مضايقات في هذه السوق، وذلك رغم مساعيها القوية لدمقرطة هذه السوق حتى يصل الغذاء لكل من هو في حاجة إليه وليس فقط لمن يملك القدرة على شرائه.
وقد بدت هذه المساعي واضحة في المنتدى الدولي الذي عقد في روسيا مؤخرا تحت اسم «منتدى الحبوب الدولي» والذي حضره ممثلون لأكثر من خمسين دولة ومندوبو أكثر من مائة شركة ومنظمة عالمية في قطاع الغذاء عامة والحبوب بشكل خاص. وقد دعت روسيا في المنتدى لتشكيل منظمة للدول المنتجة للحبوب تتولى التنسيق والمتابعة في هذه السوق، ودعت روسيا كبرى الدول المنتجة للحبوب للمشاركة في هذه المنظمة، ومنها من الدول جيرانها كازاخستان وأوكرانيا.
وحاليا تحتل روسيا المرتبة الرابعة على مستوى العالم في حجم صادرات الحبوب. وترى وزيرة الزراعة الروسية يلينا سكرينيك أن بمقدور روسيا احتلال المرتبة الأولى في حال دخلت في تحالف مع غيرها من الدول المصدرة للحبوب في الساحة السوفييتية سابقا وخاصة كازاخستان وأوكرانيا. ويُفترض أن يستفيد الاتحاد المقترح تكوينه من روسيا وكازاخستان وأوكرانيا من الموانئ الأوكرانية على البحر الأسود للوصول إلى المزيد من الأسواق.
وعبرت أوكرانيا مبدئيا عن موافقتها للاتحاد المقترح من روسيا، وأعلن وزير الزراعة الأوكراني يوري ميلنيك موافقته على فكرة تكوين اتحاد للحبوب يجمع روسيا وأوكرانيا وكازاخستان. بيد أن الرئيس الأوكراني فيكتور يوشينكو الذي لا يخفي عداءه وكراهيته لروسيا عبر عن شكوكه في جدوى هذا الاتحاد متحججا بأن الدولة الأوكرانية لا تستطيع التصرف بما يعتبر ملكا للمزارعين الأوكرانيين على حد قوله، رغم أنه لم يستشر خبراء الزراعة في أوكرانيا .
وجاءت المفاجأة عندما أعلن الاتحاد الأوروبي معارضته لانضمام أوكرانيا إلى منظمة للدول المنتجة والمصدرة للقمح وغيره من الحبوب تعتزم روسيا إنشاءها. حيث أعلنت ماريان فيشر بويل، المفوضة الأوروبية للزراعة، التي أوفدتها المفوضية الأوروبية إلى العاصمة الأوكرانية بعدما علمت بفكرة إنشاء منظمة للدول المصدرة للحبوب على غرار «أوبك» أن الاتحاد الأوروبي لا يؤيد انضمام أوكرانيا إلى «اتحاد الحبوب الثلاثي»، ولم تبرر المفوضة الأوروبية رأي الاتحاد ولا السبب وراء هذا الاعتراض.
ومن الواضح أن ما يدفع الاتحاد الأوروبي إلى الوقوف ضد روسيا في هذه المسألة هو القلق من احتمال قيام تكتل قوي جديد في سوق الحبوب يقدر على منافسة تجار الحبوب الآخرين والمصدرين الأوروبيين الذين اشتهروا باستغلال أسواق الغذاء لخدمة أهداف سياسية موروثة من زمن الإمبراطوريات الاستعمارية القديمة، ويخشون بشدة ظهور منافسة قوية من دول تملك رصيد كبير من انتاج الحبوب، ويعني دخولها السوق تحطيم الأسعار الاحتكارية وتغيير كافة الموازين.
فقد ارتفع إسهام أوكرانيا وروسيا وكازاخستان مجتمعة في تجارة الحبوب على مستوى العالم أربع مرات منذ عام 2000 من 6% إلى 24% في حين انخفض إسهام الولايات المتحدة بنسبة 8% وانخفض إسهام كل من أستراليا وكندا بنسبة 3%.
وقامت الدول الثلاث بتوريد أكثر من 31 مليون طن من الحبوب إلى الأسواق العالمية في الفترة من يوليو 2008 إلى مايو 2009 ـ 16 مليون طن حجم الصادرات الروسية ونحو 11 مليون طن حجم الصادرات الأوكرانية وحوالي 5 ملايين طن حجم الصادرات الكازاخية، في حين ينتظر أن يبلغ إجمالي الصادرات الأميركية من الحبوب خلال السنة التسويقية الجارية التي تنتهي في يوليو 2009 نحو 27 مليون طن.
كاتبة روسية