لا يوجد «خرم إبرة» في أسواق العالم وإلا وللصناعة الصينية فيه مكان، فلم يترك تنين الصناعة الصينية مكانا للماركات العالمية الشهيرة إلا وابتلعها، وبيوتنا اليوم لا يوجد فيها شبر واحد دون أن يكون للمنتج الصيني مكان مميز، غزت الصين بصناعاتها العالم، وأزاحت إمبراطوريات التصنيع المعروفة من الوجود، بل باتت هذه الأخيرة تتعلق بذيل التنين الصيني كي تبقى على قيد الحياة في الأسواق.

تصدر الصين للعالم اليوم كل شي، ابتداء من إبرة الخياطة الصغيرة وخيطها الرفيع وانتهاء بآلات الميكنة الضخمة وتقنيات الفضاء، وبالرغم من هذا نقرأ خبرا مثل الذي قرأناه جميعا بالأمس. من أن الصين بدأت مؤخرا حظر المواقع الالكترونية التي تعرض أو تروج الألعاب على الانترنت التي تثير الإعجاب بعصابات المافيا، وتهدد أجهزتها بأنها ستقوم بمعاقبة المخالفين بقسوة. حيث تتصدى وزارة الثقافة الصينية لهذا الأمر، معتبرة أن تلك الألعاب تحض على المجون والمقامرة والعنف وتقوض الأخلاق، كما أنها تهدد الثقافة التقليدية الصينية.. أي الهوية الصينية..

وبحسب الخبر فإن وزارة الثقافة والجهات المخولة بالأمر فيها الصين ستقوم بمراقبة ومعاقبة المواقع على الشبكة الالكترونية الانترنت التي تنشر تلك الألعاب، ومنع بيع تلك الألعاب في المحلات..

هذه هي الصين التي تصدر للعالم الفيديوهات والألعاب والالكترونيات والكمبيوترات بالملايين، البلد الذي يصحو وينام على العمل والإنتاج، وبالرغم من ذلك فلا تهاون مع الأمور التي تمس بالهوية وبالعادات والتقاليد، ولا تهاون في المحافظة على عقول أطفالها وشبابها.

الألعاب التي يشير إليها الخبر الصيني منتشرة لدينا وفي أسواقنا، العاب فيديو، سواء تشترى من السوق أو تنزل تنزيلا من مواقع الانترنت، هذه الألعاب لا تستهلك الوقت فقط ولا تحبس أطفالنا وشبابنا أمام شاشات الكمبيوتر طوال الليل والنهار، ولكن مضمونها اخطر من وضع مسدس أو بندقية في أيديهم.. إنها العاب يعرفها الجميع ويدرك ما تنطوي عليه، فالمتسابق مطلوب منه أن يقتل المزيد من البشر، أن يفجر ويغتال، أن يسرق ويحتال، مثلما أورد الخبر الصيني.. فهذه الألعاب تدفع أطفالنا إلى تحقيق ذواتهم وشطارتهم وفطنتهم من خلال تعلم هذه الأساليب الإجرامية..

مثل هذه الألعاب موجودة في أسواقنا وتباع بمبالغ محترمة وأطفالنا وشبابنا يقبلون عليها، بل يمارسونها في محلات مرخصة..نحن ننظر إليها على أنها ألعاب للتسلية لكنها في الأصل هي ليست كذلك. وزارة الثقافة الصينية رأت في هذه الألعاب تهديدا للهوية الصينية وللشخصية الصينية وللعادات والمثل والتقاليد ولهذا بدأت في محاربتها وتشديد العقوبة على ممارسيها..

وزارة الثقافة عندنا وفي سائر بلداننا العربية يبدو أنها لا ترى فيها سوى العاب فيديو تطور المهارات، وتشحذ الهمم وتفتح أفق التقنية الحديثة أمام الصغار قبل الكبار.. وفي الحقيقة نحن لا نعلم أبناءنا بهذه الألعاب إلا القتل وتكوين العصابات وتكريس الإجرام بأنواعه.. فهل تلتفت الجهات المسؤولة عندنا مثلما التفتت وزارة الثقافة الصينية إلى هذا الأمر وبادرت لحماية أبنائها وأطفالها من هذا الشر؟.

mhalyan@albayan.ae