الاحتلال العسكري الأميركي للعراق يكاد يكون فريداً من نوعه، فهو يعيش حالة من «الشيزوفرينيا» بين الرغبة في الرحيل بأسرع وقت ممكن، وبين التلكؤ في الاقتناع بضرورة اتخاذ هذه الخطوة التي ستترك العراق أمام خيار أمني عراقي بحت. وفي هذا الانقسام يبرز على السطح مدى الاختلافات العميقة التي تدور في كواليس المؤسسة العسكرية الأميركية نفسها، بين من يرى أن الأميركان ملتزمون بالاتفاقية الأمنية الموقعة مع الجانب العراقي والتي بموجبها يغادر جميع الجنود في نهاية عام 2011، وبين من يطالبهم بإعلان النصر والرحيل الفوري، بعد أن أصبحوا مثل الضيوف الثقلاء الذين بمرور الثلاثة أيام تفوح رائحتهم النتنة.

والمتتبع للانسحاب الأميركي من المدن والقرى والقصبات العراقية، يلاحظ مدى الفرح الذي شعر به أبناء العراق لرحيل هؤلاء من شوارعهم ومغادرتهم للأحياء السكنية التي شعرت بالغربة هي الأخرى. لذا فإن الدعوات بالرحيل النهائي كانت ولا تزال تلمس هذا الجانب الذي يشعر به العراقيون، كما أنها ترى أن استمرار هذا الوجود ستكون له تأثيراته السلبية على وضعية الأمن في العراق، وهو مدخل لزيادة حالة الاحتقان في البلد.

ومن المفيد أن نفهم لماذا يخرج العقيد «تيموثي ريس»، وهو المستشار في المؤسسة العسكرية الأميركية في بغداد، بهذا التصريح الخطير الذي أحرج به المؤسسة التي وضعت بنود الاتفاقية الأمنية ومهدت للخروج المرحلي، حيث يرى «أن الجهود الأميركية لتدريب وتسليح وتقديم النصح للقوات العراقية، قد آتت ثمارها ووصلت إلى نقطة لم يعد فيها المردود يستحق البقاء»، وأن «تمديد الوجود العسكري الأميركي في البلاد إلى ما بعد عام 2010، لن يحقق شيئا لتحسين أداء الجيش العراقي، لكنه سيزيد من الاحتقان داخل العراق»! ولعل مربط الفرس عند هذه النقطة تحديدا، وقد تحققت هذه الرؤية من خلال جملة من التفجيرات التي استهدفت المدن والشوارع العراقية في الفترة التي تلت انسحاب الأميركان وتمركزهم في المنطقة الخضراء.

وكما ينظر «ريس» لأهمية الخروج المبكر وتسليم العراق للعراقيين، فهو على يقين بأن الوضع الأمني العراقي هو مسألة عراقية في الدرجة الأولى، ولن يستطيع الجيش الأميركي أن يحل جميع مشكلات القوات العراقية التي يصفها «ريس» بالفساد، وسوء الإدارة والعجز عن مقاومة الضغوط السياسية من الأحزاب الطائفية.

لا يمكن إغفال أن المطالب الشعبية برحيل أميركا من العراق بعد ست سنوات من الاحتلال، كانت ولا تزال هي المحرك والدافع الأساسي للخروج ولوضع الاتفاقية الممهدة للانسحاب، لذا ينظر بعض العراقيين إلى أن الاتفاقية هي مجرد حبر على الورق، وأن هناك استعدادا أميركيا لنسفها قبل اكتمال مراحلها، ولأي سبب كان. وهذا ما أكده رئيس أركان الجيوش الأميركية في بغداد، الذي صرح بأن خروج القوات الأميركية يرتبط بالوضع الأمني.

بمعنى أنه إذا بقي الوضع الأمني مترديا فإن القوات الأميركية ستستمر في البقاء بمعزل عن سقف المعاهدة. ولعل هذا التناقض في رؤية الوضع الأمني سيبقي القوات الأميركية في منطقة مراوحة بين الرحيل والبقاء، وهذا سيظل محكوما بتلك الأهداف غير المعلنة وغير المبررة حتى اللحظة لاحتلال العراق من الأساس. فكذبة الأسلحة النووية سبق وأن تم كشف زيفها، باعترافهم بأن المعلومات حولها كانت مضلله وليس لها أساس من الصحة. إذن، ماذا بعد الأسلحة النووية، وماذا كان قبلها؟!.

الواقع أن الأميركان يعترفون بأنهم تركوا عراقا ضعيفا هشا، وأن المشكلات التي جاءت مع الاحتلال من اليأس أن يجدوا لها حلا جذريا. وربما كان دافع «ريس» للرحيل السريع، هو دعوة مبطنه للتنصل من التركة التي تركها الاحتلال الأميركي للعراق، فبالإضافة إلى الفساد الحكومي، يرى «ريس» أن العنف السياسي، وغياب الاندفاع في تحقيق المصالحة الوطنية، وأزمة كركوك، والعلاقة المتوترة بين العرب والأكراد، وتدهور الخدمات الاقتصادية ولاسيما في قطاعي النفط والكهرباء، ومواعيد دفع الرواتب للموظفين غير المنتظمة.

هي بعض من نقاط ضعف العراق في وضعه الحالي. والغريب أنه لم يقل الأسباب الحقيقية التي تركت العراق في هذا الوضع المخجل، وهو البلد الذي يحتضن نسبة غير قليلة، سواء من العلماء أو المفكرين أو السياسيين، وإنما كان تركيزه منصبا على مصالح الولايات المتحدة المستقبلية، لذلك كان يخشى من التمزق في هذه الشراكة، والتي من الممكن أن تفرض رحيلا مبكرا غير مخطط له، ومن شأنه أن يضر بمصالح طويلة المدى في العراق، وربما الانهيار الكبير للإنجازات المتحققة منذ عام 2003.

المطلع على مذكرة «تيموثي ريس» حول ضرورة الانسحاب وإعلان النصر في العراق، سيجد العجب العجاب في تشريحه لوضع القوات العراقية، ويأسه الشديد من إمكانية انتشالها من وضع مترد غير قابل للإصلاح. فبقراءة خمس عشرة نقطة تدور حول أسباب ضمنها تقريره، ستجد في نهاية الأمر أنك أمام مستقبل سوداوي وفوضوي لهذه القوات التي يعول عليها لحماية وحفظ أمن العراق. ويكفي أن نقرأ العبارة التالية التي جاءت ضمن تقويمه لأداء هذه القوات، إذ يقول بالحرف الواحد «إن المؤسسة العسكرية العراقية غير قادرة على التخطيط للمستقبل، وغير قادرة على تأمين موافقة رئيس الوزراء على أدائها»!.

ولعل ما يمكن فهمه من بين السطور، أن العراق لا يزال يبحث عن قائد ملهم وطني يوحد العراق على قلب رجل واحد، فالتمزق الذي يعيشه الآن لن يجعل العراقي يستمتع بالحرية وروعة الاستقلال، طالما كان ولا يزال يحلم بطائفيته وباثنيته وبقبليته.. وما أصدق الشاعر العراقي النواب حين قال: «قتلتنا الردة.. إن الواحد منا يحمل في الداخل ضده».

كاتبة إماراتية

m.alemarat@gmail.com