ضحكت كثيرا حينما اعترف لي أحد الزملاء بالأمس أن مشادة كلامية نشبت بينه وبين زوجته، والسبب موعد اتفقا عليه لزيارة الأسواق والتبضع لرمضان.. والمشادة الكلامية اشتعلت شرارتها حسب ما يروي الزميل، حينما قال لزوجته إن التبضع لرمضان سيكون مبكرا من الآن، فكشفت له الزوجة عن قائمة من ثلاث صفحات، تشمل شراء أوان جديدة للمطبخ ومؤونة كاملة تكفي لمتطلبات الولائم.. يقول الزميل: انتهى مشوارنا في عطلة نهاية الأسبوع قبل أن يبدأ، لأننا اختلفنا من أين نبدأ في القائمة: زيارة سوق الأواني، أم زيارة الجمعية، أم الذهاب إلى سوق الأغنام عندها أوقفت سيارتي على جانب الطريق ودخلنا في النقاش الذي اشتعل..
ضحكي لم يكن على هذه المفارقة، لكن على أمورنا البسيطة التي نحولها في لحظة إلى معارك كلامية، وكأن حرارة الصيف لا تكتفي بكيّنا، بل إنها تجعل أدمغتنا تغلي في جماجمنا، ففي الوقت الذي يمكن أن يتلاشى هذا كله في لحظة صفاء، نصر على خلق المشكلة من لا شيء.
قلت له: الأجانب يتقدموننا كثيرا لأنهم يعرفون كيف يرتبون أولوياتهم، البسيط ثم المهم ثم الأهم، ويعتمدون الأجندة و«البوك نوت» لتدوين تواريخ مشاويرهم وأوقات إنجازها.. حتى الأحاديث التي ينوون فتحها فيما بينهم يخصصون لها أوقاتا مناسبة، حتى ولو جاء موعدها بعد عام، أما نحن فنرمي كل ما نريد في سلة واحدة وندفع به دفعا، وعلى الطرف الآخر أن يقبل أو لا يقبل، فهو حر.. هكذا نجد أنفسنا في ورطة دائمة، لأن فتيل وشرارة الاختلاف يبقى قائما ومصيره تحكمه الصدف والظروف التي نغلب في تعزيزها في كل مرة..
التأجيل والتأخير هو أيضا أمر اعتمدناه كثيرا في إيقاع حياتنا، فصحيح أنه من المهم أن ننجز مشاريعنا وأعمالنا في أوقات مناسبة، وأن نعد لها في أوقات سابقة وفي زمن لا يعرضنا للمفاجآت والصدف، إلا أننا لا نأبه لهذه القاعدة.. فنحن سادة التأجيل، وكثيرا ما نقول «تو الناس»، فنراكم كل ما يجب أن ننجزه حتى اللحظات الأخيرة، لنجد أنفسنا في صراع مع الوقت ومع الانجاز. ومن هذه أن نؤجل التبضع لشهر الخير والكرم والجود إلى ليلة السحور الأولى، فنتزاحم أمام كاونترات الجمعيات وأمام أكوام من البضائع تكلفنا الشيء الفلاني دفعة واحدة.
والقاعدة لا تنسحب علينا في هذا الإطار الضيق فقط، بل إنها أيضا تنزاح إلى المستوى الرسمي، فبعض المؤسسات الحكومية التي لديها التزامات في مواعيد معينة وبرامج وأنشطة، تترك تنفيذها للحظات الأخيرة، تنساها ولا تفكر فيها طوال العام، وحينما يحين موعدها تستنفر المؤسسة، وكلما اقترب الوقت ارتبكت، وتحولت المسألة إلى ارتجال.. هذا الارتجال كثيرا ما يتسبب في إهدار المال والجهد، وفي الأخير تبدو تلك الفعالية هزيلة ومريضة وكأنها لم تكن.. لهذا يغلبنا الأجانب.
