عندما كنت أتابع خطبة المرشد الأعلى للثورة في إيران آية الله علي خامنئي في 19 من يونيو الماضي، وأمام طريقة وتوقيت خروجه عن الصمت الذي التزم به وهو يرى بلاده على شفير الهاوية، وعلى طريقة الشخصيات الكاريزماتية التي كنا نقرأ عنها في تاريخ المسلمين القدامى، والتي لا تخرج عن صمتها إلا عندما تكون الأمور قد وصلت حدا يتوجب فيه الخروج عن الصمت.

وأمام منظر قامته وهيئته وهو يعتمر عمامته السوداء مرسلا لحيته البيضاء، بينما هو يناهز الثمانين من عمره، قانعا بنظارته المترهلة ذات الإطار الأسود والتي أشك أن تكون من إحدى الماركات الفرنسية الباهظة الثمن، مع بساطة عباءته وأسلوب عرضه للأزمة بصوت هادئ يواري خلفه غضبه وقلقه ويأسه، دون أن يلجأ إلى خطب الصراخ والزعيق والتهديد والوعيد (مقارنة بالخطب الرنانة الصارخة التي تميز بها آخرون)، بينما هو ممسك بيده اليسرى قصاصة من ورق نادرا ما استعان بها، كتب عليها فيما يبدو بعض النقاط المهمة وكأنه في تلك الهيئة شخصية قديمة خرجت من تحت غبار التاريخ القديم، لتضع حدا لنزاع طائفتين جديدتين لا تختلفان على المبدأ وإنما على طريقة تنفيذه، اعتقدت بعد نهاية الخطبة، أن الأطراف المتحاربة جميعها الحاضرة وقتها خطبته، سوف تقوم بعد صلاة الجمعة بالعناق والاتفاق على تجنيب إيران من الفتنة.

واستبعدت بعد كل ما عرضه الإمام من تحليل للأزمة وتفنيد المدعين بوجود تزوير، وقوله باستحالة وجود تزوير بفارق 11 مليون صوت وفق نظام التصويت في إيران، ورغم أنه وضع كل ثقله لدعم فريق محمود أحمدي نجاد على حساب الموضوعية في الفصل.. استبعدت أن تعود الأزمة تتفاقم في شوارع إيران من جديد، وأن الشعب الإيراني قد استند إلى من يعتبرونه زعيمهم الروحي بعد غياب آية الله الخميني مؤسس الجمهورية.

لكن تيار الإصلاحيين لم يرتض القرار ولم يستمع للنصح، مما حدا ببعض المحللين إلى الشك في وجود زمؤامرة خارجيةس للإطاحة بنظام المحافظين، وعلى رأسهم الرئيس نجاد الذي استمر في تطوير برنامجه النووي، وما انفك يهدد إسرائيل ويتوعدها بالدمار ومسحها من على الخارطة.

وسواء كان هناك تزوير أم لا، أو تدخل خارجي من عدمه، فإن رياح التغيير قد ضربت إيران في خاصرتها، وليس هناك من أمل في العودة إلى ما كانت عليه الأمور عندما تسلم نجاد قيادة الجمهورية لأول مرة عام 2005. اختلفت الأمور، ومر العالم خلال هذه الفترة بعدة أزمات وحروب دامية (تورطت فيها إيران مباشرة)، وعانى العالم من صعود مبالغ فيه ثم هبوط غير مبرر لسعر برميل النفط (وإيران واحدة من أكبر منتجي النفط في العالم)، ومن ثم مر العالم بأخطر الأزمات: الأزمة الاقتصادية الأخيرة، التي جعلت الشعوب الفقيرة والغنية أكثر حساسية لهذه التطورات، آملة أن تتخلص من أزمتها من خلال تغيير قادتها كما حصل في الولايات المتحدة الأميركية.

غير أن إيران ليست الولايات المتحدة الأميركية، ونجاد لم يكن «بوش»، رغم شهيته للتدخل في شؤون بعض دول الشرق الأوسط، ولا يريد أن يصبح أوباما رغم تقاربهما في تواضع النسب. ويبدو أن شعور الإيرانيين بالعزلة العالمية، واستمرار الغلو في عداء الغرب الذي حرمهم من متع الحياة على النمط الأوروبي الذي يشاهدونه على شاشات التلفزة ولا يلمسونه، والوعود التي طال أمدها، والشباب المتحمس الذي ولد بعد الثورة والذي يحلم بما لا يحلم به نجاد، والأزمة الاقتصادية العالمية. كلها نفخت رياح التغيير في قمصان الإصلاحيين.

وبالرغم من أنه لا أحد يملك أي إثباتات مادية وقانونية على وقوع تزوير في الانتخابات، ولا رقما صحيحا يمثل نسبة المحتجين مقارنة مع من هم داعمين لنجاد في سياساته الداخلية والخارجية، إلا أن زمن المحافظين في بداية انحساره، وخروج المتظاهرين في الشوارع ولو أنهم لا يمثلون شيئا يذكر، والتعبير عن شعورهم وغضبهم، ومن ثم استغلال الإعلام الغربي بشكل جيد لبعض صور الفيديو التي التقطت عن طريق الهواتف النقالة، كلها زادت الأزمة فورانا وأدخلتها في مسار لا رجعة عنه.

وجلس رجال الدين من طرف المحافظين ينظرون إلى ما يحدث وكأنه قد خرج عن سيطرتهم، ووقف رجال الدين من طرف الإصلاحيين ليعلنوا عصيانهم، مستغلين فرصة لا ولن تعوض إن خرجت من بين أيديهم.

هناك تنازلات سوف تقدم، حتى ولو أن انتفاضة الإصلاحيين قد تخمد لبعض الوقت، ولكن النفوس قد تحركت، والخطوة الأولى نحو التغيير قد بدأت، والطلقة خرجت من فوهة البندقية، ولن ينام نجاد بعد اليوم على سجادة بيته البالية مطمئن البال كما كان يفعل سابقا، ولن يستطيع أن يأكل قطعة خبزه كما يفعل الفقراء، مثلما كنا نشاهده دائما في الصور التي تنشرها الصحف والمجلات، إلا بغصة مرة، يائسا من أنه لن يحقق حلم هذا الرجل الضئيل في بنيته الجسدية، في جعل إيران دولة عظمى في المنطقة برمتها، يهابها الكبار قبل الصغار.. وعلى رأسهم «دولة الصهاينة».

ظل هناك ساسة دهاة آخرون في إيران، أمثال أكبر علي رفسنجاني ومحمد خاتمي ومهدي كروبي وآخرين، جلسوا في انتظار قياس اتجاه الرياح المقبلة لجمهورية ما بعد خامنئي الذي في نظرهم ينتمي لمرحلة سابقة ولم يعد يواكب المتغيرات الجديدة، جمهورية بعمامة جديدة، ترضخ للقرارات الدولية، ولا تعاند تعليمات العم سام.. ومنسوجة في فرنسا!.

جامعة الإمارات

dralaboodi@gmail.com