إن الطموح لتحقيق العدالة في عالمنا، يتحقق بمدى صحة الإجراءات القضائية لمحكمة الجنايات الدولية. إن إنشاء محكمة الجنايات الدولية، ينبغي أن لا يستند على القيم العامة التي وردت في نظام روما فقط، وإنما يشمل كافة القضايا المتعلقة بحقوق الإنسان.
وتنص الفقرة الثالثة من البند الواحد والعشرين لنظام روما، بشكل صريح، على أن المحكمة ينبغي أن تعمل بمعايير القانون الدولي في كافة أنشطتها. وذلك ليس فقط التزاماً من حيث التشريع، ولكنه الطريق الوحيد الأمثل لمصداقية المحكمة كهيئة قضائية مستقلة.
ومن الأهمية أن يتابع القضاة عمل المدعي العام بشكل حثيث، للتأكد أن القضايا المعروضة أمام المحكمة تستند لأساس قانوني صحيح، وستتوافر لها الأدلة الكافية. وهنا تعود إلى الأذهان تجربة حديثة لمحكمة الجنايات الدولية في رفضها لأول قضية عرضت عليها، وهي القضية الخاصة بالكونغو.
والتي كان للقضاة موقف معروف منها، مفاده أنه بإبقاء المدعي العام على مصدر الأدلة سريا (والتي حصل عليها من الأمم المتحدة)، وعدم كشفه علنا عن مصدرها، فإن المحكمة لن تبت في القضية. وكانت تلك تجربة هامة في أول طريق محكمة الجنايات الدولية. إن من أهم الضمانات في عمل قضاة محكمة الجنايات الدولية ومدعيها العام، ضمان تجنب الدوافع السياسية في ما يعرض أمام المحكمة.
وعندما تعرض قضية في المحكمة بموجب طلب من مجلس الأمن، يبرز السؤال: هل هذه قضية مسيسة أم لا؟ كما هو الحال في طلب مجلس الأمن من محكمة الجنايات الدولية أن تنظر في قضية دارفور في السودان، والاتهام الموجه للرئيس السوداني عمر البشير.
والأسئلة كثيرة، ومن أبرزها تسلم المدعي العام للطلب المقدم من السلطة الفلسطينية والعديد من منظمات المجتمع المدني، التي تطالب بالتحقيق بما تتهم به القوات الإسرائيلية من انتهاكات في حربها على غزة، إذ إن وزير العدل في السلطة الوطنية الفلسطينية تقدم إلى محكمة الجنايات الدولية، بناء على الفقرة الثالثة من البند الثاني عشر من نظام روما، بطلب النظر في قضية حرب غزة الأخيرة من قبل المحكمة.
إن محكمة الجنايات الدولية حتما تتعامل مع قضايا هي في الأصل مثار جدل واسع، وإن وجدت لها قبولا من طرف فقد لا تجد القبول من أطراف أخرى. إن مبدأ التكاملية القانونية عماد هام من أعمدة نظام روما، الذي نص في البند 123 على إمكانية مراجعة نظامه بعد 7 سنوات من بدء نفاذه، وذلك من خلال دعوة الأمين العام للأمم المتحدة لمؤتمر للمراجعة، يدرس أي تعديلات على نظام روما، وقد أصبح ذلك أمرا ملحا.
وسينعقد أول مؤتمر لمراجعة نظام روما في كمبالا عاصمة أوغندا، في النصف الأول من العام المقبل 2010. وبما أن محكمة الجنايات الدولية حتى الآن يقتصر عملها على قضايا الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، فهناك شعور متزايد في الأوساط الدولية بأهمية أن يتضمن نظام روما قضايا تشمل جرائم العدوان وقضايا الإرهاب، إلى جانب قضايا أخرى مثل جرائم المخدرات وتوسيع قائمة الأسلحة المحظورة.
وفيما يتعلق بجرائم العدوان، يتطلع كثير من الأوساط الدولية إلى أن تشمل كافة إجراءات التخطيط والتحضير والتنفيذ لعدوان من قبل قوات مسلحة على سيادة الدولة، بما يهدد وحدة أراضيها واستقلالها السياسي، وأي مخاطر أخرى نص عليها ميثاق الأمم المتحدة.
ومن المتوقع أن تفتح نقاشات واسعة خلال المؤتمر بشأن العدوان، تشمل الاحتلال والقصف العسكري والحصار، وهي قضايا متشابهة وستفرض تحديا كبيرا على المؤتمرين. كما سيواجه المؤتمر القادم تحديات مماثلة في إضافة موضوع الإرهاب ضمن مهام المحكمة، خاصة وأن ذلك يستوجب الاتفاق على تعريف الإرهاب.
كما أن هناك الكثير من القضايا الخلافية الأخرى، مثل دور مجلس الأمن وفق ميثاق الأمم المتحدة، ومدى التزام المجلس بذلك. وفيما إذا أقرت بعض هذه التعديلات على نظام روما، فيبقى السؤال: ما إذا كانت هذه التعديلات ستكون سارية المفعول بإقرارها في مؤتمر المراجعة في كمبالا، أم ستحتاج إلى إجراءات أخرى من قبل مجلس الأمن على سبيل المثال؟
وفي الختام من المهم الإشارة إلى 3 قضايا..
أولا: من الواضح، نظرا لحداثة نظام روما الذي قامت عليه محكمة الجنايات الدولية، أنهما يتطلبان مزيدا من الجهود، حتى تصبح لدينا مؤسسات قضائية ناضجة بالكامل. ولعل تجربة البداية في قضية الكونغو تمثل درسا ينبغي أخذه بعين الاعتبار.
ثانيا: إن إحدى الخلاصات التي نستطيع أن نخرج بها من تجربة السنوات الماضية، هي الأهمية العظمى للمصداقية الدولية التي يتطلبها تجسيد نظام روما وعمل محكمة الجنايات الدولية.
ثالثا: تطوير صلة المحكمة بالدول في سبيل شرعيتها وفعاليتها، وهذا تحدٍّ كبير باعتبار أنه حتى الآن لم يصادق على نظام روما ومحكمة الجنايات إلا 108 دول، وما زالت دول عديدة لم تصادق عليها ولم تقر أنشطتها.
كاتب من اليمن
a_wahishi@yahoo.com