الهجوم الدبلوماسي الأميركي متعدد الاتجاهات والأغراض، الذي شهدته المنطقة خلال الأسبوع الماضي، ينطوي على دلالات مهمة تتصل بكل منطقة الشرق الأوسط، وليس فقط عملية السلام.

فالثلاثي الذي زار المنطقة ليسوا من حملة الرسائل، وإنما يشكلون جزءاً رئيسياً من الطواقم التي تساهم في صناعة السياسات والقرارات والخيارات، فضلاً عن كونهم على رأس مؤسسات تمتلك القدرة على الفعل.

لو أن الأمر يتصل بعملية السلام لكانت كافية زيارة للمبعوث الأميركي السيناتور جورج ميتشل، فهو المعني بالأمر مع مختلف الأطراف في المنطقة، غير أن تزامن زيارته مع زيارة قام بها زير الدفاع، وتبعتها بعد أيام قليلة زيارة أخرى قام بها مسؤول الأمن القومي الأميركي، كل ذلك يضع التحرك الأميركي أمام مؤشرات ذات أبعاد استراتيجية.

ومن الواضح أن الإدارة الأميركية، التي تتحرك بقوة في المنطقة على قاعدة حماية وتوسيع مصالحها، وحماية وجود إسرائيل وأمنها وتطوير مصالحها، من الواضح أنها لم تتخل عن الإطار العام الذي طرحته إدارة بوش تحت عنوان «بناء شرق أوسط جديد»!

شرق أوسط جديد يتطلب اتباع سياسة مختلفة عن السابقة التي لم تنجح، وكانت تعتمد سياسة التصادم الصلب، بمعنى استخدام القوة. فالإدارة الأميركية برئاسة براك أوباما، استخلصت بضعة دروس.

أهم تلك الدروس، هو أن معالجة قضية الصراع العربي ـ الإسرائيلي، تشكل الأولوية والعقدة المركزية، التي في حال معالجتها يمكن معالجة معظم الملفات الساخنة والصراعات والأزمات التي تعيشها المنطقة منذ أمد بعيد. أما الدرس الآخر، فيتصل بوسائل معالجة هذا الصراع المزمن، إذ تفضل إدارة أوباما كأولوية استخدام سياسة الاحتواء، والتفكيك، عبر استخدام القوة الناعمة التي تعتمد الوسائل الدبلوماسية والسياسية والاقتصادية.

هذا يعني أن الإدارة الأميركية قد بدأت تمتلك رؤية لمعالجة الصراعات في هذه المنطقة، تعتمد أيضاً ضرورة مراعاة مصالح الآخرين ولو بالحد الأدنى، والإقلاع عن سياسة الاستحواذ الكامل والهيمنة والاحتكار، وتجاهل مصالح وتطلعات شعوب المنطقة ودولها.

التصريحات التي تصدر عن أطراف من الإدارة الأميركية، تفيد بأن الإدارة بصدد استكمال رؤية متكاملة لعملية سلام الشرق الأوسط، بما يشمل كافة المسارات، الفلسطيني والسوري واللبناني، مع تحديد واضح للآليات، والحقوق الممكن تحصيلها لكل طرف، والواجبات المترتبة عليه.

وفي الواقع فإن الإدارة الأميركية أبدت انفتاحاً على سوريا، قابلته الأخيرة بانفتاح مماثل جعل ميتشل الذي زار دمشق مؤخراً، يتحدث عن تقدم إيجابي في العلاقات بين البلدين، بعد أن قررت واشنطن في وقت سابق إعادة سفيرها وتفعيل سفارتها في العاصمة السورية.

وبدلاً من النداءات العنجهية التي كانت تصدر بطريقة أوامرية عن إدارة بوش السابقة، وعن الحكومات الإسرائيلية، وتطالب بابتعاد دمشق عن طهران، فإن الإدارة الأميركية الحالية نجحت في اعتماد سبيل الحوار، ومراعاة مكانة سوريا ومصالحها.

في لبنان، وبعد فوز كتلة الحريري وحلفائه، أخذ الوضع يميل نحو تحرير المعتدلين اللبنانيين، إزاء التعامل الإيجابي مع السياسة الأميركية والغربية وإزاء متطلبات سلام مع إسرائيل، وستتضح الأمور أكثر حين ينتهي سعد الحريري من تشكيل حكومته.

على الصعيد الفلسطيني، يبدو أن واشنطن راضية عن سياسة السلطة وأدائها، وكدليل على ذلك، قدمت لخزينتها مئتي مليون دولار. العقدة هنا تتصل بأمرين، الأول الموقف الإسرائيلي من المطالبة الدولية والعربية بتجميد الاستيطان قبل بداية المفاوضات، وتشير التصريحات التي أعقبت زيارة ميتشل لإسرائيل، إلى أن ثمة تقدما إزاء معالجتها، والثانية تتصل بالثمن المطلوب من العرب دفعه مقابل تجميد بمعنى ما للاستيطان.

الرئيس الفلسطيني محمود عباس أكد على رفض أية حلول جزئية أو وسطية لهذا الملف، فيما أكد أمين عام الجامعة العربية عمرو موسى على أن الموقف العربي يرفض تطبيع العلاقات مع إسرائيل قبل أن تجمد الاستيطان.

هذا يعني أن واشنطن تبحث عن آلية لربط التطبيع بتجميد الاستيطان، وفي كل الحالات فإن هذا يشكل تراجعاً في الموقف العربي الذي تعبر عنه مبادرة السلام العربية التي تعتمد التطبيع بعد التوقيع، وكثمن لعملية السلام وليس لوقف الاستيطان. هناك عملية ابتزاز تمارسها إسرائيل للحصول على أكبر ثمن ممكن لتجميد الاستيطان، وتساعدها في ذلك واشنطن من خلال امتناعها عن ممارسة ضغط حقيقي على إسرائيل، هي تستطيع ممارسته لإرغام حكومة نتانياهو على الانصياع للإدارة الدولية.

كجزء من المتابعات، تأتي مهمة وزير الدفاع الأميركي، ومسؤول الأمن القومي، بغرض التأكيد على ضمان أمن إسرائيل وتفوقها، ولتنسيق المواقف والخطوات إزاء كيفية معالجة الملف النووي الإيراني.

ويبدو أن ثمة استجابة أميركية لمخاوف إسرائيل ورغبتها في أن تبدي إدارة أوباما جدية أكبر في معالجة الملف النووي الإيراني، عبر تحديد مهل زمنية قريبة للحوار، وعبر تصعيد ملحوظ في اتخاذ عقوبات فعالة وملموسة أكثر، لمواجهة ما تعتبره الولايات المتحدة تعنتاً إيرانياً.

والحقيقة أن هذا التحرك الأميركي المكثف في المنطقة، إنما يشير أيضاً إلى أهمية العامل الزمني، وبالتالي ضرورة تحقيق إنجازات قبل نهاية العام، في ما يتصل بتهيئة الميدان التفاوضي وتأهيل الأطراف المعنية لعملية تفاوضية مثمرة، وسريعة الإنجاز.

على أن ثمة عقبة أخرى تتصل بتهيئة العامل الفلسطيني، وهذه تقوم بها مصر بالتعاون مع بعض الأطراف العربية والدولية، مما يعني أن الحوار بين حركتي فتح وحماس غير المثمر حتى الآن، ينبغي أن ينتهي إلى اتفاق قبل نهاية العام، وإلا فإن الأوضاع الفلسطينية ستتخذ منحى آخر، على اعتبار أنه من غير الممكن فشل كل هذه الاستراتيجية بسبب طرف فلسطيني.

كاتب فلسطيني

talalokal@hotmail.com