طالب الرئيس الأميركي باراك أوباما، الحكومات العربية بأن تعبر عن «حسن نياتها» تجاه إسرائيل، وتتخذ مواقف إيجابية تدل على اعتدال مواقفها المتعلقة بتسوية الصراع العربي الإسرائيلي، واقترح أن تكون أولى خطوات هذا الاعتدال، تطبيق إجراءات تطبيع جديدة، كالسماح بهبوط الطائرات الإسرائيلية التجارية والطائرات غير الإسرائيلية المتجهة إلى إسرائيل في المطارات العربية، وكررت هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الأميركية مثل هذه التصريحات.

وشددت على هذه المطالب، وتبعها أخيراً جورج ميتشل مبعوث الرئيس الأميركي الخاص للشرق الأوسط، الذي زار المنطقة في الأسبوع الماضي، وعرض على قادتها بعض المقترحات الأميركية ذات الصلة بالتسوية المحتملة.

وعدنا الرئيس أوباما، تصريحاً وتلميحاً، أنه سيطرح مبادرة جديدة للسلام بين العرب وإسرائيل، قد تعلن في أغسطس الحالي أو سبتمبر المقبل، ونوهت وسائل الإعلام بأن من مقترحات الرئيس الأميركي إقامة دولتين فلسطينية وإسرائيلية، وتحويل ثلثي مساحة الأراضي السورية المحتلة إلى محمية مفتوحة للسوريين والإسرائيليين والأوروبيين ولمن هب ودب، مع الاعتراف بالسيادة السورية عليها، بعد تجريدها من السلاح.

وهكذا يمكننا تلمس الجانب الأهم من مقترحات الإدارة الأميركية الجديدة للحل، وخلاصتها أن يبدأ العرب إجراءات التطبيع مع إسرائيل، على أن يكون الطيران هو الخطوة الأولى، ثم تتلوه ـ بطبيعة الحال ـ إجراءات تطبيع أخرى.. ومن البديهي أن تطاول هذه الإجراءات إقامة علاقات تجارية، ثم علاقات دبلوماسية أو شبه دبلوماسية (تبادل فتح المكاتب).

ويهدف هذا كله لطمأنة الحكومة الإسرائيلية وسكان إسرائيل، بأن العرب جادون في سعيهم للسلام، صادقون في مبادرتهم، عاملون لضمان حاضر إسرائيل ومستقبلها.

ليس لدى الرئيس أوباما، كما يبدو، ما يقدمه للعرب سوى التلميح بأن الإدارة ستستمر ببذل الجهود لاستئناف المفاوضات الإسرائيلية السورية، والإسرائيلية الفلسطينية تحت الرعاية الأميركية، دون الاعتراف بالحقوق العربية أو بقرارات الشرعية الدولية، أو حتى التلويح بموقف محايد خلال هذه المفاوضات عندما تعقد، ناهيك عن استحالة أن تمارس الإدارة الأميركية ضغطاً فعالاً وجدياً على الحكومة الإسرائيلية لتغيير مواقفها، أو حتى لتوقف بناء المستوطنات، مع أن هذه من إفرازات التطرف الإسرائيلي. ولم نعد نسمع كلمة واحدة عن تجميد أو إيقاف الاستيطان، من أي زائر أميركي!

وهكذا فإن ما تطلبه الإدارة الأميركية من العرب هو البدء بالتطبيع دون أي ثمن، لا مباشر ولا غير مباشر، باستثناء الوعد بالبدء بالمفاوضات، وعدم التخلي عن النيات المعلنة بإقامة دولتين، دون الاهتمام بإيجاد الشروط المناسبة لتحقيق هذا الهدف. أما بالنسبة لإسرائيل فلا تطالبها بشيء جدي، ولا تتخذ مواقف صارمة لوقفها عن بناء المستوطنات. ويعرف نتنياهو أن الرفض الأميركي هو رفض لفظي، ولذلك لم يأبه له، واعتبره تباينا في وجهات النظر بين الحلفاء، وخلافا بين الأصدقاء!

بل إنه في الأسبوع نفسه الذي كان يزور فيه جورج ميتشل موفد الرئيس الأميركي، إضافة لمستشار مكتب الأمن القومي الأميركي والدبلوماسي دينيس روس المنطقة، «لإقناع» العرب بمقترحات الرئيس أوباما، كان وزير الدفاع الأمريكي يزور إسرائيل ويوقع عقداً لبيعها طائرات «إف 35» ومنظومة صاروخية متطورة، مما يعني عدم ممارسة الإدارة الأميركية أية وسيلة ضغط على الحكومة الإسرائيلية.

وكأن خطة الرئيس أوباما تستهدف استدراج العرب أو الضغط عليهم، بوسائل ناعمة وقفازات حريرية هذه المرة، مما يؤدي إلى سقوط آخر ورقة ضغط أو قوة في يدهم وهي ورقة التطبيع، تبرعاً منهم واستجابة لوعود أميركية غير واضحة، خبروا مثلها في نصف القرن الماضي ولم يستفيدوا شيئاً.

لقد خسر العرب منذ حرب أكتوبر 1973 معظم أوراقهم الرابحة، فقد أغواهم هنري كيسنجر بوعوده الكاذبة وزين لهم المفاوضات، وأكد أن نهاياتها ستكون سعيدة إذا ساروا في الطريق التي ستوصلهم ـ حسب زعمه ـ للنعيم. فصدقوه ووافقوا على مطالبه.

وبدأ التراجع منذ ذلك الوقت ثم الانهيار، وسقطت أوراق القوة العربية، ورقة بعد ورقة، دون أن يحصلوا سوى بدء مفاوضات لا تنتهي، بسبب الغطرسة الإسرائيلية، وسياسة الخداع الإسرائيلية المتتابعة، ورفض التنازل عن أي شيء من غنائم الحرب. وما زال الشريك الأميركي ثم الأوروبي، يدافع عنها ويبرر لها كل تصرف، ويذكرنا يومياً بأن أمن إسرائيل من أمنه، وأن العلاقات الإسرائيلية الأميركية، والإسرائيلية الأوروبية، هي علاقات استراتيجية لا يمكن المساس بها.

إذا كانت هذه المؤشرات التي أوحت بها الأعمال والتصريحات الأميركية، هي مقدمات خطة الرئيس أوباما لحل الصراع العربي ـ الإسرائيلي، فلا شك أن الأمر لا يدعو للتفاؤل، وأن الإدارة ستمارس الضغط على الحكومات العربية وحدها، وليس على الحكومة الإسرائيلية. وسواء كانت إدارة الرئيس أوباما تقول ما تقوله بنية حسنة، أم أنها مخدوعة بوعود إسرائيل ومواقفها، أم غير ذلك، فإن العرب هم الخاسر الأكبر.

لقد خبر العرب، خلال ستة عقود، إسرائيل وعدوانها ومفاوضاتها ودعواتها الكاذبة للسلام، ومن الصعب أن يكونوا أقرب للتفاؤل. وينبغي على الإدارة الأميركية الجديدة أن تتذكر أن العرب قبلوا مبادرات منذ مؤتمر مدريد حتى الآن، استجابة للوعود الأميركية، لم يكونوا ليقبلوا بها قبلاً، وألغوا قرارات المقاطعة من الدرجة الثالثة، انطلاقاً من نيات صادقة ومحاولات جادة للوصول إلى تسوية، دون أن يلمسوا أي تقدم لا إسرائيلي ولا أميركي، بل يواجهون دائماً بطلب المزيد، في حين لم يبق مزيد لمستزيد.

كاتب سوري

odat-h@scs-net.org