يجد الراصد للوضع السياسي في إيران، منذ الانتخابات الرئاسية في الثاني عشر من يونيو الماضي، نفسه أمام سؤال هام في سياق الانقسام الملحوظ على المستويين الرسمي والشعبي في إيران: هل إن غليان الشارع الإيراني انعكاس لشرخ خطير داخل المؤسسة الدينية الحاكمة، على مستوى القيادات العليا، أم أن هذا الشرخ قد لحق بهذه القيادة بسبب التصدع في موقف الرأي العام؟!
وسواء كان هذا أو ذاك، فاجتماع الاثنين معاً، وهو الأرجح، يزيد من جسامة ما ينتظر إدارة الرئيس نجاد، في دورتها الرئاسية الثانية، من أحداث، ويضاعف من أزمات المؤسسة الدينية الحاكمة التي فشلت على المستويين الداخلي والخارجي، وصنعت بذلك احتجاجات مليونية في الداخل، وعزلة كبيرة في الخارج.
ولعل خروج حسين علي منتظري، أبرز من قام بالتنظير لما يعرف بولاية الفقيه، الذي اعتبره الخميني «ثمرة حياتي» وأسماه «الفقيه الأعلى»، والذي شغل منصب الرجل الثاني في إيران على مدى عشر سنوات، عن صمته منذ مارس 1989 حين فُرضت عليه الإقامة الجبرية لرفضه مبايعة علي خامنئي كخليفة للخميني، وتصريحه بتحريم التعرض للتظاهرات الشعبية ودعوته للحداد على أرواح القتلى الذين سقطوا لمدة ثلاثة أيام، مؤشر هام على مدى عمق ما سوف تعانيه إدارة الرئيس نجاد في القادم من الأيام.
لم تعد الأوضاع الداخلية في إيران وسادة ناعمة يسترخي عليها الرئيس نجاد، كما كانت تبدو قبل الثاني عشر من يونيو المنصرم، ولم تعد حسابات القوى والتوازنات التي راهن عليها في فترة رئاسته الأولى، صالحة في علاقاته مع القوى الأخرى داخل إيران وخارجها، بعد الثاني عشر من يونيو أيضا.
وربما لن يمر وقت طويل قبل أن نشهد انعكاسات ذلك على مواقف بعض القوى في المنطقة، التي اعتبرت التحالف مع إيران ركناً أساسياً في استراتيجية المواجهة مع الغرب، أو التي استسلمت لإرادة طهران، ضماناً لا غنى عنه، لدوام تمتعها بالنفوذ والسلطة.
فالرئيس نجاد لم يخرج معافى من تداعيات الانتخابات الرئاسية الأخيرة، رغم أنها قد حسمت لصالحه من قبل المرشد الأعلى للجمهورية، قبل أن تحسم من قبل مجلس صيانة الدستور. وقد زاد ضعفه بعد أن أجبر مؤخراً، بأمر من المرشد الأعلى، على التراجع عن تعيين صهره إسفنديار رحيم مشائي نائباً أول له، رغم تلكئه في تنفيذ الأمر بضعة أيام، مثيراً بذلك تساؤلات حول مدى الانسجام داخل الخندق المحافظ نفسه، فتعيين مشائي أثار غضب المحافظين قدر ما أثار غضب الإصلاحيين.
على مستوى المواجهات، مؤيدو الرئيس نجاد لم يعد وجودهم في الشارع ضرورياً، فقد أخلدوا إلى الراحة والسكينة. أما من يتصدى للمعترضين، سواء في شوارع المدن أو فوق سطوح المنازل، فهو قوات الأمن والشرطة والبسيج والحرس الثوري والجيش، وكل من هؤلاء يؤدي دوره في حلبة الصراع، حسب شدته أو ضعفه، وفق حسابات لا تخلو من تعقيد تقرره معادلات تتعلق بدرجة ولاء هذه القوات.
وعلى العكس مما واجهته تظاهرات الاحتجاج في المدن الإيرانية، من وسائل قمع عنيفة من قبل الأجهزة الأمنية، لقيت حركات احتجاج الإيرانيين في الخارج تعاطفاً كبيراً من قبل الحكومات الغربية، خاصة في أوروبا. فقد قام هؤلاء في العديد من دول العالم بتنظيم مهرجانات احتجاج كبيرة، عكست ظاهرة يتسم بها العديد من دول الشرق الأوسط، وهي وجود جاليات كبيرة من أبنائها، مهجرة أو مهاجرة، في الدول الغربية لأسباب كثيرة، أبرزها طبيعة الأنظمة السياسية في بلدانها، وعدم قدرتها على استيعاب الرأي الآخر.
والآن، وبعد مرور أكثر من ستة أسابيع على الانتخابات الرئاسية الإيرانية، فقدت الاحتجاجات بعض زخمها، وتقلص عدد التظاهرات وتراجع حجم المشتركين فيها، إلا أنها لم تفقد بريقها، فالستارة لم تسدل على مسرح الأحداث بعد. فقد انتقل السجال بين قيادات المؤسسة الدينية الحاكمة في إيران، إلى منابر المساجد، وأصبحت خطبة الجمعة في مسجد جامعة طهران مادة يتابع وقائعها المهتمون بمسارات الشأن الإيراني، خاصة إذا اعتلى المنبر الشيخ هاشمي رفسنجاني الذي يستمع إلى خطبته المحافظون والإصلاحيون.
تياران يفرضان وجودهما في ساحة الأحداث: أحدهما ينحو، كما يبدو، نحو إضعاف دور المرشد الأعلى، في حين ينحو الآخر عكس ذلك. يتزعم التيار الأول الرئيس الإيراني الأسبق هاشمي رفسنجاني، رئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام ورئيس مجلس الخبراء، ويتزعم التيار الثاني المرشد الأعلى السيد علي خامنئي.
ومع أن موقف الشيخ رفسنجاني، أحد أبرز القادة في إيران على مدى العقود الثلاثة المنصرمة منذ قيام الجمهورية الإسلامية، يُستنتج منه، للوهلة الأولى، أنه اندفاع لتزعم التيار الإصلاحي، وهذا، على أية حال، استنتاج ليس فيه الكثير من الخطل، إلا أن هناك من يرى غير ذلك. فالشيخ رفسنجاني لم يغادر موقع الوسط في مقارباته السياسية منذ رشح نفسه للرئاسة عام 2005.
حيث ظهر في تلك الحملة الانتخابية بمظهر السياسي البراغماتي، الذي لا يرى ضيراً في إعادة النظر في السياسات التي تستند إلى الالتزام بالخطوط الحمراء. موقفه من الأزمة الأخيرة يعكس رغبة في رأب الصدع في المؤسسة الدينية الحاكمة، فهو لم يتحدث عن تزوير الانتخابات ولم يتطرق إلى «لا شرعية» الرئيس نجاد، بشكل صريح، كما فعل المرشحون الخاسرون، وإنما تكلم عن ذلك بطريقة غير مباشرة لا تبعد المحافظين عنه.
فقد تحدث عن أزمة النظام وضرورة استعادة ثقة الشعب، وتكلم عن المخاطر التي تحيق بالجمهورية الإسلامية الإيرانية. ففي إحدى خطبه قال «إن سخط الشعب يُفقد أية حكومة شرعيتها»، وأن «رضى الشعب من شروط الولاية عليه».
هذا الموقف أقرب إلى الرغبة في التوفيق بين طرفي النزاع منه إلى الانحياز إلى أحدهما، وهو موقف محسوب بذكاء، يظهر فيه الشيخ رفسنجاني راعياً للجميع وغير منحازٍ لأحد، وهي صفة شديدة القرب إلى صفات من يلبس عباءة المرشد الأعلى، وهو بهذا لا يضعف من سلطة المرشد الأعلى، وإنما يضعف من سلطة خامنئي.
المؤسسة الدينية في طهران تخوض صراعاً من نوع جديد لم تألفه من قبل، صراعاً بين رموزها الكبار. الصراع في شوارع المدن الإيرانية قد أطاح برؤوس العشرات من المتظاهرين الذين سقطوا صرعى برصاص قوات النظام. رفسنجاني أول من دق ناقوس الخطر، فهل سيطيح الصراع بين القيادات برؤوس عدد من أبرزها؟ رفسنجاني يرى ما هو أخطر من ذلك.
كاتب عراقي