في أغلب جرائم النصب والاحتيال، يتبين في النهاية أن السبب الرئيسي الذي يدفع أولئك المحتالين إلى استغفالنا وإيقاعنا في شراكهم وحبالهم، هم نحن الذين نسهل لهم أمورهم، فنسمح بأن تنطلي علينا كل تلك الألاعيب والحيل والخدع.. نحن من يمنح هؤلاء المجرمين تلك الفرص التي يحتالون فيها علينا، نذهب بأرجلنا ثم بعد ذلك نتباكى على ضياع أموالنا وما يؤخذ منا.. قضايا النصب والاحتيال، صحيح أنها ارتفعت معدلاتها في السنوات الأخيرة.

لكنها كانت موجودة منذ زمن طويل، وكثيرا ما حذر منها في كثير من الميادين والمجالات الإعلامية، وكثيرا ما كشف رجال الأمن عندنا أساليب تلك الجرائم وحذرونا من الوقوع في شباكها، ولم تبخل الصحافة في عرض التفاصيل، ورغم ذلك جاء من يقع منا في مستنقع تلك الجرائم، هكذا طواعية، مع سبق الإصرار والترصد، كما يقول أهل الشرطة.. فبالرغم من حملات التوعية، وبالرغم من نشر التفاصيل وتصريحات المسؤولين، يسمح البعض منا لهؤلاء المجرمين بالضحك على ذقوننا..

أتذكر جريمة نصب واحتيال وقعت قبل أكثر من عشر سنوات، ونشرت حولها الصحافة الكثير من المقالات، حينما احتال نصاب على رجل مواطن وسرق منه نصف مليون درهم، تحت بند السحر ومضاعفة الأموال عن طريق الجن! تخيلوا رجلا في القرن العشرين صاحب تجارة ورجل أعمال، يؤمن ويصدق بأن الجن سيأتي له بالمال!!..

وقعت تلك الواقعة ويومها ضحك من ضحك من الناس على غباء هذا التاجر وإيمانه بالخرافات، وحزن من حزن على حاله وأمواله التي طارت في الهواء نتيجة تلك النصبة.. ثم دارت الأيام ووقع آخر في المطب نفسه، وبمبلغ آخر لا يبعد عنه في القيمة.

ويستغرب الواحد، كيف يقع هذا الآخر وغيره في نفس المستنقع وفي الشبكة ذاتها؟!المسألة أن هناك بيننا من لا يتعظ ومن لا يرى ولا يقيس الأحوال من حوله، وفينا من يسمح لنفسه أن يكون لعبة في أيدي الآخرين..

ولأن هؤلاء يتكاثرون، فقد تكاثر وتكالب علينا النصابون من كل صوب وحدب، بل تطورت عمليات النصب واختلفت وصارت تقليعات وموضات، فالنصب صار يأتي إلينا على شكل موجات وتنويعات، تأتي إلينا جماعات النصب بمضاعفة الأموال عن طريق السحر والشعوذة ثم تذهب، تأتي إلينا جماعات النصب عن طريق الاتصال والإيهام بالخدع والإغراءات، ثم تذهب، يأتي إلينا المزورون وهكذا..

في النهاية نحن من يسمح بهذا، فهؤلاء النصابون لو لم يجدوا فينا القبول لما عاثوا في الأرض فسادا، لو تكاتفنا ولو فتحنا أعيننا، ولو قررنا أن نقف في وجه هذا الدجل والنصب، فلن يجد هؤلاء مكانا لهم، وسينكشف أمرهم فورا.. لو أننا نتعاون ونفضح أمرهم لما وجدوا ضالتهم، لو أننا ننصح بعضنا بعضاً ونفتح عيون بعضنا البعض لمحاربتهم، لقضيتا عليهم وسددنا تلك المنافذ التي ينفذون منها إلينا..

الوعي الجماعي مهم، والحراك الجماعي ضد الظواهر الوافدة إلينا، هو ما يجب أن يكون.

mhalyan@albayan.ae