ما زالت اليابان تصر على مطالبها تجاه روسيا، بما تعتقد أنه حقها في ما يطلق عليها الأراضي الشمالية. والمقصود بهذه الأراضي بعض جزر الكوريل، التي سيطرت روسيا عليها في نهاية الحرب العالمية الثانية وأعلنت أنها استعادتها من الهيمنة اليابانية.

وهذه الجزر كانت من قبل جزءاً لا يتجزأ من الإمبراطورية الروسية، واحتلتها اليابان في حرب القرم عام 1855، واعتبرتها بعد ذلك حقا لها. وفي الأيام الماضية تبادلت روسيا واليابان «مناوشات دبلوماسية» في هذا الموضوع، بينما انتقد الرئيس ميدفيديف الموقف الياباني، وأعرب عن أمله في أن ترى طوكيو الوضع كما هو حقيقة.

وحتى لا تتمادى اليابان في ادعاءاتها التي تصعدها أحيانا وتتغاضى عنها أحيانا، أرسلت روسيا 200 دبابة من طراز «ت-80 ب ف» إلى جزيرة سخالين المجاورة لجزر الكوريل، لتحل محل دبابات قديمة من طراز «ت-5م» هناك. وعلاوة على ذلك قررت وزارة الدفاع الروسية تعزيز الفرقة 18 المرابطة في جزر الكوريل، بالمزيد من الجنود.

كما قررت تزويد هذه الفرقة بأسلحة حديثة كصواريخ «بوك- م1» المضادة للطائرات. وهذا يعني أن روسيا تقطع الطريق على اليابان في الدخول في أية مفاوضات حول هذه الجزر، ولا تتراجع روسيا عن أسلوب التهديد بالقوة، خاصة وهي تعلم أن القواعد ألأميركية منتشرة في اليابان، وأن هناك نزعة جديدة لدى الشعب الياباني للعودة للعسكرة والتسليح، وتشكيل جيش قوي حرمت منه اليابان بموجب اتفاق الاستسلام بعد الهزيمة في الحرب العالمية الثانية.

ومن المعروف أن موسكو لم توقع مع اليابان حتى الآن معاهدة السلام التي كان من المفترض أن يتم توقيعها بعد الحرب العالمية الثانية، بينما وقعتها الدول الغربية الأخرى المنتصرة في الحرب في مؤتمر السلام في سان فرانسيسكو الأميركية عام 1951، وهذا يعني من وجهة نظر القانون الدولي أن البلدين ما زالا في حالة حرب، هذا على الرغم من النمو والتطور الكبير في العلاقات التجارية بين البلدين.

قضية جزر الكوريل لم تحاول اليابان تصعيدها في زمن الاتحاد السوفييتي، في ظل وجود العديد من القواعد العسكرية الأميركية على الأراضي اليابانية، لكنها بعد انهيار الاتحاد السوفييتي حاولت استغلال ضعف روسيا المستقلة في ظل حكم الرئيس الراحل بوريس يلتسين، والذي كان مستعدا لأن يعطي الغرب كل ما يريد. وبالفعل كاد الرئيس يلتسين أن يحل المشكلة ويعيد الجزر لليابان.

وقد صرح بذلك أثناء زيارة قام بها لطوكيو عام 1993، ولكن اشتعال الحرب في الشيشان والصراعات على السلطة داخل روسيا، حالت دون إنجاز هذه المسألة أثناء حكم يلتسين. وجاء بوتين للحكم في الكريملين ومعه الطموحات والأحلام باستعادة أمجاد الدولة العظمى، لكنه حاول تسوية النزاع مع اليابانيين بشكل دبلوماسي لم يقبله اليابانيون، حيث عرض عليهم بوتين جزيرتي «هابوماي وشيكوتان» الصغيرتين، لكن اليابانيين رفضوا العرض واعتبروه سخرية واستهزاء بهم، لأن الجزيرتين ليستا ذات قيمة تذكر.

الروس يتعاملون مع القضية من منطلق حماية السيادة الوطنية، ويعتبرون أن جزر الكوريل جزء من الإمبراطورية الروسية، استولى عليه اليابانيون في حرب القرم في منتصف القرن التاسع عشر، ما يعنى أن التنازل عنها يعد خيانة وطنية لا يغفرها التاريخ.

وأن حماية السيادة الروسية عليها مسألة وطنية، وأي تسوية للمشكلة لن تكون على حساب التنازل عن الأرض، ولكن ستكون بشكل آخر يشبه المقايضة على مصالح اقتصادية أخرى، أو استغلال مشترك لثروات الجزر مع بقائها ملكا لروسيا.

وإذا كان اليابانيون لم يحصلوا على شيء في سنوات الانهيار والضعف الروسي في التسعينات، فكيف يحصلون على شيء الآن! وقد رفض بوتين مقترحا طرح أثناء زيارته الأخيرة، بتقسيم الجزر بين البلدين مقابل توقيع معاهدة السلام بينهما، مؤكدا أن روسيا لن توقع على معاهدة السلام مع اليابان، إلا على أسس تتفق تماما مع مصالحها الوطنية وبدون أية تنازلات.

خبيرة روسية في شؤون الطاقة

jannamarat@km.ru