بعد أن أجرت موريتانيا انتخاباتها الرئاسية وأعلن فوز الرئيس محمد ولد عبد العزيز فيها، يحق لنا السؤال عما حدث في موريتانيا بالفعل. والإجابة هي لا شيء، فقد تحول الرئيس من قائد للانقلاب إلى رئيس منتخب، ولم يعد من حق أية قوة خارجية أو إقليمية أن تعترض على وجوده في منصبه، بعدما كانت موريتانيا مهددة بالعزلة الدولية، إذا ما استمر ولد عبد العزيز رئيسا لها أتى عن طريق الانقلاب العسكري. وبالتالي فإن ما حدث في موريتانيا هو إضفاء الشرعية على وجود الرئيس، أكثر من كونه عودة إلى الديمقراطية حسبما يقول أركان النظام الموريتاني.
والحاصل أن التحديات التي تواجه الرئيس الموريتاني المنتخب كثيرة، في مقدمتها إعادة الاستقرار السياسي للدولة، ذلك أنها كانت من تلك التي تشهد بصورة دورية انقلابات عسكرية، وكان ولد عبد العزيز نفسه يعتبر هو الذي يقف وراء معظم هذه الانقلابات، ويبدو أن ظهوره في الواجهة يمكن أن يحد من هذه الظاهرة.
ولكن التحدي الأكبر يتمثل في خطر الإرهاب، خاصة وأن موريتانيا من الدول التي تدخل ضمن نطاق عمليات تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، وشهدت خلال العام الماضي عمليات في مواجهة السياح، الأمر الذي يؤثر سلبا على دخلها من السياحة، وهو دخل مهم بسبب وجودها داخل نطاق رحلات السفاري في منطقة الصحراء.
وقد تعهد الرئيس المنتخب «بالتصدي للإرهاب بكل أشكاله»، وذلك في أول تصريح بعد إعلان فوزه رسميا بانتخابات الرئاسة. وقال «سنتصدى للإرهاب بكل أشكاله، سنتصدى له على الصعيد الأمني من خلال تعزيز وسائل الجيش». وأضاف «سنتصدى له في تربته، وهو يجد تربته في الفقر والبؤس والتخلف».
وهذه التصريحات تعني أن الرئيس، على الرغم من كونه رجلا عسكريا، إلا انه يرى أن حل مشكلة الإرهاب لا يكون عبر الأساليب الأمنية فقط، ولكن يجب المزج بين السياسات الاجتماعية والاقتصادية، مع المواجهة الأمنية من أجل القضاء التام عليها.
وإذا كانت موريتانيا قد عادت بهذه الانتخابات إلى ما يطلق عليه مسمى الشرعية الديمقراطية، فإن هناك نقطتين جديرتين بالإشارة حول هذا الأمر، الأولى أن هذا التطور لم يكن ليحدث بدون الضغط الدولي الذي مارسته كل من الولايات المتحدة الأميركية، ودول الاتحاد الأوروبي، والاتحاد الإفريقي، بما أجبر الرجل القوي في موريتانيا الجنرال محمد عبد العزيز على خلع ردائه العسكري والقبول بالخيار الديمقراطي، من خلال كسب شرعية ديمقراطية عبر صناديق الاقتراع تمكنه من تثبيت سلطته كرئيس مستقبلي للبلاد.
أما النقطة الثانية، فتتعلق بالدور الذي قامت به أحزاب المعارضة في إجبار الرئيس على الجلوس على مائدة المفاوضات والتوصل إلى اتفاق داكار. وهذه المعارضة المناوئة للعسكر اجتمعت في إطار الجبهة الوطنية للدفاع عن الديمقراطية، إضافة إلى حزب تكتل القوى الديمقراطية الذي يرأسه زعيم المعارضة الديمقراطية في موريتانيا أحمد ولد داداه، وقد نظمت حملة سياسية مكثفة استهدفت تأجيل الانتخابات الرئاسية في موريتانيا التي كانت مقررة في السادس من يونيو الماضي.
وتضم هذه الجبهة التي ولدت عقب الانقلاب العسكري الذي قاده الجنرال محمد ولد عبد العزيز في 6 أغسطس 2008، وأطاح بحكم الرئيس ولد الشيخ عبد الله المنتخب ديمقراطيا في مارس 2007، تكتلا من 15 حزبا سياسيا، وتحظى بدعم كبير من المجتمع المدني الموريتاني.
وهذا الأمر يعنى أن الرئيس يدرك أن العودة إلى الحكم الشمولي مرة أخرى ليس أمرا هينا، وهو لا بد وأن يضع في اعتباره وجود هذه المعارضة، وعليه أن يسمح لها بصورة من المشاركة في الحكم في الفترة المقبلة.
وبالطبع فإن الرئيس المنتخب، وقد جاء من خلفية عسكرية لا تثق في الأحزاب، لأنها انقلبت على كل الحكومات المدنية التي تشكلت من أحزاب سياسية، سوف يسعى إلى تهميش الأحزاب، وشق صفوفها، خاصة وأن تكتلها الحالي ينذر بأنها لن تكون طيعة ولا لينة، وذلك يعني أن العلاقة مع الأحزاب المدنية، وبعضها له قواعد جماهيرية، سيكون من الملفات الشائكة أمام الرئيس الموريتاني المنتخب، وهو لا بد في المرحلة الأولى من أن يمتصها، لكنه بحكم طبيعة السياسة في العالم الثالث سوف يسعى إلى البحث عن قاعدة سياسية خاصة له بعيدا عنها من جهة، وبعيدا أيضا عن دعم المؤسسة العسكرية له، بما يعني أن العلاقة الهادئة مع أحزاب المعارضة الحالية ستكون وقتية وليست دائمة، ويمكن في المرحلة المقبلة أن يبحث الرئيس تأسيس حزب سياسي خاص به، يكون هو القاعدة السياسية له، ويمكن أن يعتمد على أحد الأحزاب الحالية، لكن ذلك مستبعد حسب الخبرة الموريتانية التي اعتمد فيها العسكر على أحزاب ثم انقلبوا عليها أو انقلبت هي عليهم.
وبانتخاب محمد ولد عبد العزيز رئيسا لموريتانيا، نصبح أمام تجربة جديدة ورائدة تجسد كيف يمكن للعسكر وقادة الانقلابات أن يصبحوا رؤساء شرعيين في الدول، في العصر الذي يرفض فيه المجتمع الدولي الوصول إلى السلطة عبر الانقلابات العسكرية. وإذا كان المراقبون يعتبرون أن تجربة برويز مشرف في باكستان تجربة خاصة بسبب الوضع السياسي والجغرافي لباكستان، فقد جاء انقلاب عام 2008 في موريتانيا والتطورات التي أعقبته حتى إجراء الانتخابات، لتدشن لنا تجربة أخرى مختلفة تماما، يمكن أن تغري المؤسسات العسكرية في دول إفريقية أخرى بتعميمها.
كاتب مصري
