حادث الغويفات الذي راح ضحيته خمسة شباب من أبناء الوطن، وأقرباء من قبيلة واحدة، مؤلم ومرارة ألمه كمرارة الحوادث الكثيرة التي مرت علينا وراح ضحيتها أرواح، خصوصا شباب وأطفال ونساء.. نحزن كثيرا حينما نرى هذا الهدر للأرواح فوق الإسفلت، نلعن في دواخلنا السيارات والظروف التي تقود إلى هكذا مآسي، ولكن لا راد لقضاء الله عز وجل.
أخبار الحادث والتصريحات التي أدلى بها رجال المرور حوله، وكتابات الزملاء الصحفيين الذين نقلوا لنا الخبر والحزن، وكلماتهم التي لم تخل من الحسرة والغصة والأسف على شباب كانوا يستعدون للحياة مقبلين على مستقبلهم، خطفهم الموت فجأة من بين أهليهم، وروعت الجميع ببشاعة الحادثة التي تعرضوا لها.. كل هذا يعيدنا إلى أول السطر في موال الحوادث التي تخطف منا الأعزاء والغالين.
نعود للنقطة الصفر، للحديث عن تعاملنا الحقيقي مع ثقافة الطريق، ومع السيارة التي أعدت في الأصل للسير في ظروف سليمة، وللانضباط والالتزام بالقواعد المرورية.. نعود لنفس الحديث عن السرعات الجنونية، ولتحذيرات الحملات المرورية حول اشتراطات السلامة المرورية..
لا أعتقد أن هناك بلدا مثلنا قامت فيه أجهزة المرور بحملات ضخمة للسيطرة على حوادث المرور، ولا أعتقد أن هناك بلدا غيرنا صرف الملايين على شبكات طرق وزرع آلاف الرادارات للحد من السرعات الجنونية، ولا أعتقد أن هناك بلدا مثلنا يفرض الحبس، ليس على السائقين المتهورين فقط، بل على سياراتهم.. فقد ابتكر رجال المرور لدينا أساليب شتى من أجل مقاومة الانتحار اليومي على طرقات الإسفلت، منها المعقول ومنها غير المعقول.
فقط لأن الألم كبير والحوادث لا تزرع فينا إلا الفقد والحزن والمأساة، وهناك بذل كبير لكسر الأرقام الرهيبة والمهولة لمعدلات الحوادث، من أجل تخفيفها وتقليلها والقضاء عليها قضاء نهائيا.. نحن، وليس هنا سوانا، نحن لا المرور ولا أنظمة السير ولا الرادارات، لا النقاط السود، ولا سحب الرخص، ولا غرامات المخالفات.. نحن من يجب أن تسود لديه ثقافة مهمة، هي ثقافة التعامل مع هذا «الحديد» السيار، نحن من يتوجب علينا المحافظة على أرواح أبنائنا، بدعمهم بالثقافة المطلوبة في التعامل مع السيارة، مع الطريق.
نفرح لأبنائنا حينما نراهم يشبون أمام أعيننا، ونتمنى لهم الرخاء ونتمنى لهم كل جميل وأشهر الماركات، نغدق عليهم من حبنا وترفنا، نريدهم أن يكونوا أول الناس وفي المقدمة، نحبهم حبا جما، لكن هذا لا يعني أننا لا يجب أن نهيئهم للتعاطي مع كل هذا.. ننسى في غمرة هذا الحب أن نزرع فيهم التأني، أخذ الأمور من طرفها السليم.. نحن من يتوجب علينا أن نفعل الكثير من أجل تعليم أبنائنا كيفية التعامل مع أشياء الحياة..
صعب أن نتحمل حزن ذلك الحادث، لكنه وقع وراح الخمسة الشباب وبقيت تلك السيارة ملقاة على الرمل بلا حراك.. وقبله سيارات تحولت إلى أكوام من حديد في طرفة عين، خاطفة أحبابنا.. نحن من يجب أن يواجه هذا الألم وهذه المآسي، ويتحمل علاجها.. نحن لا نثقف أبناءنا جيدا حينما نهدي إليهم سياراتهم. نحن المتقاعسون عن أداء واجبنا، ولهذا نخسر الغالي والنفيس..
رحم الله الشبان الخمسة وألهم أهلهم الصبر والسلوان..
