وصلت أنباء كثيرة عمّا جرى في إيران منذ الانتخابات الأخيرة. فما هي الدروس الأولى التي يمكن استنباطها من هذه الأحداث؟.
الدرس الأول هو أن الدينامية السياسية التي ولّدها ترشيح مير حسين موسوي خلال الأيام الأخيرة من الحملة الانتخابية، وحجم المظاهرات التي أعقبت إعلان النتائج، يمثّلان دلالة على عمق التململ داخل المجتمع الإيراني. ودون شك هناك عدّة عوامل اجتمعت كي تجعل الوضع قابلا للتفجّر.
أوّلا، هناك حالة من المعاناة الاجتماعية، زادت من خطورتها نتائج العقوبات الاقتصادية والمالية والتكنولوجية التي قررتها الأمم المتحدة منذ عام 2006. التضخّم قارب 30 بالمئة مما أضعف كثيرا القدرة الشرائية، وأصابت البطالة حوالي 15 بالمئة من القادرين على العمل ـ هذه النسبة تصل، حسب بعض التقديرات، إلى ما بين 30 إلى 50 بالمئة بالنسبة للشباب ـ مما يشكّل مؤشرا على آثار ذلك بالنسبة لمجموعات كبيرة داخل الطبقات الوسطى والتجّار والعمّال.
ثمّ هناك نوع من الرفض الذي يواجه به قسم من السكان نتائج الانتخابات، التي رأوا فيها عودة إلى الوراء على صعيد العادات والحريات الفردية. هذا المظهر بدا واضحا، خاصة لدى شرائح الشباب الذين يشكلون دائما قوى التغيير.
الدرس الثاني هو بروز حالة من التباين في الآراء على رأس جهاز الدولة. ومن الأهمية بمكان كون أن المرشد علي خامنئي، المعروف بتحفّظه عادة، قد صعد إلى الخط الأول منذ مساء يوم الانتخابات، ليعلن فوز محمود أحمدي نجاد قبل نهاية فرز الأصوات. لقد تخلّى بذلك عن موقف وضع نفسه فوق كل أشكال النزاعات. هذا على الرغم من دور وظيفته الأساسي في المحافظة على التوازن الدقيق السائد في آلية عمل جهاز الدولة في الجمهورية الإسلامية.
وربما أن الرئيس أوباما كان ينوي التفاوض معه، وليس مع الرئيس أحمدي نجاد ذي السلطات المحدودة. لكن أصبحت تُطرح الآن مسألة مصداقيته بعد اتخاذ موقفه الداعم بصراحة لأحد المتنافسين في الانتخابات الأخيرة. لا شك أنه كان هناك دائما منذ عام 1979 صراع على النفوذ، لكن كانت هذه هي المرّة الأولى التي ينفجر فيها الصراع بهذه الحدّة.
الدرس الثالث يتمثّل في التوجّه الدبلوماسي للرئيس أوباما. ذلك أن سياسة الانفتاح التي دعا إليها حيال إيران منذ انتخابه، واقتراحه للعمل على «انطلاقة جديدة» في رسالة مصوّرة ـ فيديو ـ وجهها إلى الشعب الإيراني بتاريخ 20 مارس الماضي، واعترافه وإعلان أسفه لكون أن الولايات المتحدة قد ساهمت في تنظيم سقوط حكومة محمد مصدّق المنتخَب ديمقراطيا عام ,1953. هي بعض الأمثلة على تغيير حقيقي في الموقف الأميركي.
ويمكن أن نلاحظ كذلك أن أوباما قد أبدى، أثناء الحملة الانتخابية وخلال الفترة التي تلت فوزه فيها، قدرا متطرفا من التعقّل في تصريحاته لوسائل الإعلام، وحرص على أن لا يوجّه أي نقد مباشر لخرق المبادئ الديمقراطية. هذه السياسة أثارت بعض التردد لدى القادة الإيرانيين الذين كان على كل منهم أن يأخذ موقفا حيال التبدّل الشكلي، لكن الأكيد، في توجّه الولايات المتحدة.
ويبدو أن موجة العنف التي أعقبت الإعلان عن نتائج الانتخابات، تدلّ على أن النواة الصلبة في النظام فهمت الرهان الحقيقي لتلك العملية الانتخابية. فبالإضافة إلى الاحتفاظ بمواقعها، أرادت الشريحة الأكثر تشددا في النظام، أن تكون هي التي ستخوض جولات المفاوضات القادمة لا محالة مع واشنطن، بل ورأت هذه الشريحة أن محمود أحمدي نجاد، رغم مواقفه المتشددة والتأكيد على عدم الانحناء أمام الغرب طيلة فترته الرئاسية الأولى، هو الأكثر قدرة على القبول بالوصول إلى اتفاق عن طريق التفاوض.
وبدا كل مرشح من المرشحين الآخرين مفرطا في الانصياع للغرب. ومير حسين موسوي لم يكن، من جهته، يستطيع الانخراط حقيقة في منظور الدخول في مفاوضات، كي لا يبدو مأخوذا بشكل مفرط بتبدّل اللهجة الأميركية في ظل أوباما، وبالتالي قد يفقد بذلك المصداقية أمام جزء من ناخبيه المحتملين. بهذا المعنى ساهم الرئيس الأميركي، عبر اقتراحاته، في بلورة التباينات العميقة داخل مسؤولي الطبقة السياسية الإيرانية الحاكمة.
وفي محصلة الأوضاع المستجدّة، يبدو جميع دروب الخروج من الأزمة ضيّقة. كما يبدو أن الغضب الذي عرفته الأسابيع المنصرمة، ليس مرشحا للخمود نهائيا حتى الآن.
المدير المساعد لمركز العلاقات الدولة والاستراتيجية ـ باريس
