تخيلت لو أننا تبنينا فكرة احتفال منطقة ليوا بمزاينة الرطب وعطاء النخيل، وصرنا في مثل هذه الأيام من كل عام نزين البلد بأخضر النخيل، رطب وخوص ومنتوجات تفنن الأجداد عبر الزمن في استغلال كامل عطاياها، لأنها كانت قوتهم، وبيوتهم وحبالهم منها وعلاجهم، حتى صيادو السمك استغلوا خشبها في شباك صيدهم.. تخيلت لو أننا سنويا نحتفل جميعا بهذه العطايا عبر بانوراما شاملة، نظهر من خلالها علاقتنا بزراعتها وجنيها.. ليس فقط أجمل سلة رطب، وأفضل درجاتها..
الأولى والثانية من أنواعها، وليس عرض منتوجاتها، ولا ما يمكن استنتاجه من أطعمة يدخل فيها تمر الرطب عنصرا لذيذا، بل هذا كله تضاف إليه ملتقيات ومنتديات عن اقتصاد النخل والرطب، وأقواس خضراء من سعف النخيل تزين الشوارع، وبنرات وبوسترات وكتيبات بجميع اللغات الرئيسية، لكي يصل صدى احتفائنا بجني ثمار النخل للقاصي والداني.. أتخيل مهرجانا تراثيا تمتد فعالياته إلى جميع مدن وقرى الدولة، يشارك فيه الصغير والكبير، النساء والرجال.
ويشارك طلبة كليات الزراعة ومدرسوهم، ويساهم فيه المهندسون الزراعيون يتحدثون عن آخر تقارير علمية عن نخيلنا ورطبنا.. أن يضج الشارع وينبض بأيام لها علاقة بالرطب والتمر والنخيل، وأن نجدد سنويا منجزات الدولة التي تحققت في مضمارها.. أن يحضر هذا الانجاز الكبير في ذلك اليوم، حتى نعكس ملمحا من ملامح هويتنا وارتباطنا ببيئتنا، وما في تفاصيل حياتنا الحقيقية المستمدة من مكانها.
لدينا في الإمارات أكثر من 40 مليون نخلة، وترتيبنا السابع على مستوى العالم من ناحية إنتاج التمور، ومساحة زراعة النخيل في البلاد تضاعفت 48 مرة وربما أكثر، لأن هذه الإحصائية في الأصل قديمة، ولدينا مجمع للجينات، وتم تطوير وتحسين وتهجين أصناف منها، ونحن أول دولة على مستوى العالم ندخل موسوعة غينس في زراعة النخيل، حيث جرت العادة أن يحصل الأفراد أو المؤسسات على شهادات الموسوعة للجهود التي قاموا بها، وحصلنا عليها باسم الدولة والجهود الجبارة التي تم بذلها.
هذه كلها تحتاج إلى مهرجان سنوي نستعيد فيه ما هو حقيقي في دواخلنا على الصعيد الفردي لاستقبال الجني، كما يفعل كثير من الشعوب التي اشتهرت بزراعاتها.. أتخيل هذا المهرجان الذي يعم الأمكنة في الدولة، ليصبح لموسم الرطب طعم مشابه «للدبس».. نحتاج هذا كثيرا، لأنه التفصيل ذو الطعم المختلف في الخصوصية، خصوصيتنا، وإرثنا ما بين البر والبحر.. ليس الأمر شجرة، ولا يوما للنخلة، بل كي تتجذر تفاصيل البيئة في البيئة، ونلتحم ونلتصق بها لنقاوم الاغتراب.
