ترى، ضد أية جبهة يجب أن يحارب ويقاتل كتاب المقالات والأعمدة في الصحف والمجلات في كل أنحاء العالم؟ جبهة الفساد السياسي أم الفساد التجاري؟
المسألة في غاية الأهمية، ودور كتاب الأعمدة يصبح أكثر خطورة، وعلى الجهات المختصة أن تقرأ ما يكتبه هؤلاء، وتدرس آراءهم ومقترحاتهم ومخاوفهم وقلقهم الذي يعكسونه في مقالاتهم، وأن تأخذها بكل الجدية الممكنة. فنسبة كبيرة منهم تميزوا بالموضوعية والأمانة والصدق ومحاسبة النفس، وبالضمير الحي لصالح الإنسان قبل أي شيء آخر.
فبينما نجد أن هناك رجالا أطلقوا على أنفسهم (بطريقة دكتاتورية أو ديمقراطية) قادة وزعماء، نذروا أنفسهم لتدمير البشرية بإصدار فرمانات إشعال فتائل الحروب في شتى أنحاء العالم، لحماية طائفة من البشر هم ينتمون إليها أو مصلحة مادية بحتة، ويسيل لعابهم لكل ما هو بلون الدم ورائحة الموت.. نجد أن هناك خلفهم تتستر مجموعة أخرى من البشر لا تقل وحشية عن تلك، نذرت نفسها وحياتها ووقتها لتكوين أكبر رصيد ممكن من أرقام المبيعات، على حساب صحة وحياة البشر.
الاثنان مشتركان في الجريمة: قتل البشرية لغرض مادي إما سياسي أو اقتصادي. أما من يقتلون في سبيل العقيدة والمبدأ فهم يعدون على أصابع اليد الواحدة.
أما الجاني المتضامن، فهو ذلك الذي اكتشف مخطط الجريمة لكنه آثر الصمت ولم يبلغ عنها، فهو في نهاية الأمر شريك في الجرم والجريمة والعقوبة.
والذين عوقبوا على جرائم الحرب من الساسة هم فئة لا تكاد تذكر، بينما أفلت الآلاف منهم، فقط منذ نهاية الحرب العالمية الأولى حتى هذا اليوم، أو تغاضت المحاكم الدولية عن تجريمهم لنفوذهم، أو عوقبوا بأرحم العقوبات مقارنة بالجرائم التي ارتكبوها (على سبيل المثال لا الحصر: سلوبودان ميلوسيفيتش). أما جرائم التلاعب بحياة البشر التي ارتكبها التجار فحدث ولا حرج، ولم نسمع يوما أنه تم شنق تاجر تلاعب بصحة البشر.
في عام 1991 هزت فرنسا فضيحة سياسية مالية كادت تطيح بعدة رؤوس، عندما نشرت الصحفية الفرنسية آن ماري كاستيريه في الجريدة الأسبوعية «أحداث الخميس» مقالة تثبت فيها أن المركز الوطني لنقل الدم، قام عن قصد، ما بين عامي 1984 وحتى نهاية 1985، بتوزيع منتجات من الدم ملوثة بفيروس الأيدز لمرضى مصابين بالنزف الوراثي. ونتج عن نشر المقالة استدعاء رئيس الوزراء الاشتراكي آنذاك لوران فابيوس، للمثول أمام محكمة القضاء الجمهوري بتهمة القتل غير العمد (والذي تمت تبرئته بطريقة ما).
وفابيوس هذا، وهو من أصول يهودية، استطاع وهو في سن صغيرة أن يصبح أقرب المقربين للرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران، الذي سلمه مقاليد رئاسة الوزراء في الثمانينات وهو لم يبلغ بعد ال37 من عمره، ليصبح أصغر رئيس وزراء في تاريخ الجمهورية الخامسة، وتقدم للرئاسة لكنه فشل، وتساءل البعض كيف سمح للوران فابيوس بالاستمرار في النشاط السياسي بعد هذه الفضيحة المخزية!.
عند البعض ـ فيما يبدو ـ فإن المال والكسب يأتي في الدرجة الأولى قبل حياة الآخرين. وليس أدل على ذلك مما تنتجه مصانع العالم من مواد استهلاكية سامة و قاتلة ولو على المدى البعيد، دون أدنى رقيب أو حسيب. ومن أمثلة ذلك ما وصلني من أحد الإخوة، وهو عبارة عن دراسة قامت بها جمعية أطباء القلب البريطانيين، تتحدث عن خطورة الزيوت المستخدمة في قلي البطاطس أو ما يطلق عليه «التشبس».
وقد استخدمت هذه الجمعية والتي مقرها بريطانيا، ملصق توعية يظهر طفلة في العاشرة من عمرها وهي تتجرع زجاجة كاملة من زيت الطهي، وعلى الملصق عبارة تقول إن «ما يدخل في صنع رقائق البطاطس يدخل إلى جوفك مباشرة».
ويبدو أن هذه الدراسة قد سببت صدمة للملايين من البريطانيين، حيث تتحدث عن كمية الزيوت المشبعة الناتجة عن قلي البطاطس في درجات حرارة عالية جدا، وتترسب هذه الزيوت في الأوعية الدموية وتتسبب في أمراض تصلب الشرايين وأمراض القلب.
وخلصت الدراسة إلى أن تناول كيس «شيبس» كل يوم، يعادل تجرع تسعة لترات من الزيت كل عام! ولا ننسى المواد الأخرى الحافظة والملونة وتلك التي تمنحها نكهة مضافة، إلى تلك الأطعمة التي لا تتردد أمهاتنا في شرائها طوعا أو كرها لأطفالهن.
وربما لاحظ الجميع في كافة الجمعيات التعاونية الوطنية (المفترض أنها أكثر وعيا وحرصا على صحة أبناء هذا الوطن)، وكذلك السوبرماركيتات المنتشرة في كل زاوية وحتى البقالات الصغيرة، أطنان الحلويات الملونة وأنواع الشيبس والسكريات والمشروبات المشبوهة ذات الألوان الزاهية، التي تباع بكميات مذهلة في كل دقيقة والتي لا يختلف اثنان على أنها تحتوي على مواد مسرطنة.
غير أن الشركات العالمية التي تستثمر رؤوس أموال ضخمة ومكاتب ووكالات وشركات ومصانع وأيدي عاملة تفوق الخيال لإنتاج وترويج وتسويق هذه المنتجات، لا يهمها أن يموت العالم وأطفاله بأمراض السرطان، في سبيل أن تتضاعف أرقام مبيعاتها يوما بعد يوم، كل ذلك دون أن نتطرق إلى أطنان الدخان التي تبثها مصانعها في الهواء الطلق، فتلوث الأرض بمن فيها!.
فكيف مات ضمير البشرية التي تقتل أبناء جنسها مقابل حفنة من الدولارات أو اليوروهات؟ لماذا لا يحاكم هؤلاء على نتائج أعمالهم التجارية؟ وقد استمعت قبل فترة وجيزة إلى برنامج إذاعي يتحدث عن أعداد القتلى اليومية نتيجة الإطارات المغشوشة، ونضيف على ذلك، ومن المسؤول عن أعداد المرضى بالسرطان في العالم بسبب استخدامات المواد الكيماوية بنسب عالية في الزراعة؟ ترى هل فكر هؤلاء، أو فكر أعضاء مجلس إدارة الجمعيات التعاونية المحلية، ماذا سيكون شعورهم لو أن أحد أبنائهم أصيب بمكروه بسبب تلك المنتجات التي يغرون بها أبناء الغير عند صندوق الدفع (الكاشير)؟.
ملاحظة: شكرا لذلك الرجل العجوز الذي أوحى لي بهذه المقالة، حيث كان يقف أمامي في الصف عند صندوق الدفع في إحدى الجمعيات التعاونية المحلية، فنظر إلى المحاسب صارخا بأعلى صوته: انظر ماذا تبيعون لأطفالنا.. السرطان وأعوذ بالله، وأخذ يردد: «حسبي الله ونعم الوكيل، الله ينتقم منكم»...
على الأقل هناك رجل طاعن في السن، ولكنه مازال يحتفظ بضميره الحي قبل أن يحاسبه الله.
جامعة الإمارات
