أكثر ما كان يلفت النظر في الخطبة التاريخية التي ألقاها هاشمي رفسنجاني في الجمعة قبل الماضية، إشارته إلى إرادة الشعب، وخاصة عندما أشار في أكثر من موضع إلى مقولة معلمه آية الله الخميني، الأب الروحي للثورة، عندما قال إن إرادة الشعب يجب أن تتحقق، ولكن «في حالة إيران اليوم»، والكلام لرفسنجاني، فإن «ثقة الشعب قد اهتزت بالنظام».
حاكمية الشعب جزء أساسي من النظام السياسي الجمهوري في إيران، فهي إحدى المكونات الأساسية التي قام عليها هذا النظام.
وإذا ما رجعنا إلى سنوات التأسيس الأولى للجمهورية الإيرانية، نستطيع أن نقرأ أن أحد أسباب نجاح الثورة الإيرانية يرجع إلى قدرة الخميني الاستثنائية على توحيد العناصر الأساسية المتنوعة للشعب ـ الدينية منها والدنيوية ـ في حركة كانت نقطة انطلاقها الوحيدة الإجماع على كره الشاه ونظامه الاستبدادي الفاسد. والثوريون الأصليون وجهوا أنظارهم نحو التبشير بنظام مستقيم، تتطابق من خلاله الشؤون الزمنية مع التفويضات الإلهية، وعلى هذا قامت الجمهورية الإسلامية الإيرانية على أساس ديني يتمثل في ولاية الفقيه، وعلى أساس دنيوي تظهر فيه إرادة الشعب.
وعلى امتداد هذا الطريق، وزعت الاختصاصات في الجمهورية الإيرانية ما بين الديني والدنيوي، فكان نصيب الديني منها إيجاد مؤسسات غير منتخبة كالمرشد الأعلى (ولاية الفقيه)، حيث منح سلطات واسعة، مثل إلغاء نتائج الانتخابات واختيار رؤساء القوات المسلحة والسلطة القضائية والحرس الثوري.
ودعمت في الوقت نفسه سيطرة الطبقة الدينية على الشؤون القومية إلى أبعد من ذلك، وذلك بخلق مجلس الوصاية، وهو عبارة عن هيئة يسيطر عليها رجال الدين وتستجيب للمرشد الروحي، الذي منح سلطة مراقبة كل المرشحين لمناصب عامة، والتدقيق في التشريع البرلماني للتأكد من أنه متناغم مع القيود الدينية. ومع ذلك لم تكن الجمهورية الإسلامية نظاماً معيارياً فاشستياً (يخضع الفرد وحقوقه لمصلحته)، لأن الشعب الذي قلب الملكية الهائلة، لا يمكن استثناؤه فئوياً من المشاورات في شأن الدولة، وهكذا منح النظام الشعبي العديد من الصلاحيات الدستورية المهمة، مثل حق اختيار مؤسسات هامة كالرئاسة والبرلمان والمجالس المحلية.
ورغم استئثار الثوريين بالمؤسسات المهمة والمؤثرة، إلا أنهم خلقوا نسقاً ناظماً، تبقى من خلاله الإرادة الجماعية للناس مصدراً هاماً للشرعية، لأنهم أيقنوا واكتشفوا أن السلطة المؤسساتية المجردة من الشرعية الشعبية، لا يمكن مساندتها لفترة ممتدة من الزمن. ولكي تعمل الحكومة الدينية بشكل مناسب وتستمر، عليها أن تجد توازنا بين السلطة الدينية والتمثيل الشعبي.
خلال العقدين الأولين من الثورة نجح هذا المبدأ إلى حدٍ كبير، وهو القائم على التوازن ما بين الديني والدنيوي، أي ما بين نظام ولاية الفقيه وحاكمية الشعب. ربما يرجع ذلك إلى سلطة آية الله الخميني التي لا تقاوم، وسحره الذي جذب جميع التناقضات الإيرانية على مختلف مشاربها، حيث أذعنت جميع الأحزاب المتنافسة في إيران لأوامر الخميني بسرور، فيما كانت الانتخابات مناسبة للشعب لدعم خيارات آية الله المهيب ومرشحيه، كما كانت الأكثرية المطلقة من الشعب مخلصة بشكل معقول وتسلم بتفسير الخميني للمبدأ الإسلامي.
لكن في أواخر الثمانينات ظهر حدثان مهمان، أولاً: الحرب الطويلة مع العراق التي حطت أوزارها عام 1988، ووقف إطلاق النار الذي تلاها، منحا أفقاً جديدا للوعي السياسي للشعب، خاصة بعد الخسائر الفادحة التي دفع ثمنها الشعب. أما الحدث الثاني فكان متمثلا في موت آية الله الخميني بعد حوالي العام من انتهاء تلك الحرب، وهو الذي كان قد أسس الدولة وسيطر على السياسة الحزبية الصاخبة والتناقضات العميقة، فأحدث موته بداية تآكل في الإجماع القائم حول النظام الإيراني، وجرد المؤسسة الدينية من مرشدها «الذي يأسر الناس عامة بسحره»، ومن تماسكها المؤسسي.
هذان التطوران أثارا بين رجال الدين الحاكمين صراعاً على السلطة، رافقه ضغط شعبي لا سابق له على أداء الحكومة، خاصة في ظل تراجع الوعود الاقتصادية والاجتماعية التي وعدت الحكومة الدينية بتقديمها للطبقة الوسطى المثقل كاهلها. فمعدلات التضخم أصبحت مرتفعة، ونسبة البطالة في تزايد، واعتماد الجمهورية على نظام اقتصادي اشتراكي وإلغاؤها الاستثمارات الرأسمالية، وبالتالي اعتمادها فقط على سوق نفطي متقلب، لا تفي بمتطلبات الوقت الراهن، بالإضافة إلى جنوح النخبة الدينية الحاكمة إلى إنشاء نظام أوتوقراطي مطلق، وصرف النظر عن تعهدات مبكرة بخلق نظام تعددي.
فالشعب اليوم يبدو أنه لا يحظى بتلك المكانة التي قامت على أساسها الثورة، باعتباره جزءاً أساسياً من مكونات النظام الإيراني. وقد ورد هذا المعنى على لسان أكثر من شخص ينتمي إلى تيار المحافظين في السنوات الماضية، فقد صرح في فترة من الفترات أحد الأشخاص من جمعية التحالف الإسلامي، وهو حميد رضا طارقي، بقوله: «شرعية مؤسساتنا الإسلامية تنبع من الله. وهذه الشرعية لن تبلى حتى وإن توقف الناس عن دعمها».
وفي إشارة أكثر تحدياً أعلن نصيرٌ آخر لليمين، وهو حجة الإسلام مسلمي غفاريان، قائلاً: «في رأيي، يجب قبول حكم مطلق إذا كان عقلانياً، والحكم المطلق الحقيقي يعني إطاعة القضاء الإلهي».
إيران اليوم هي أمة تبحث عن هوية جديدة، دولة تتقلب بين وعود عصرنة ديمقراطية وتقليد ديني متقهقر، وعودة إيران إلى وضع الثورة الأول أصبح أمراً مستحيلاً، فالميثاق القائم بين الديني والشعبي حوّل الإيراني العادي إلى عامل نشط للتغيير.
فالشعب الإيراني المتمثل في الشباب المخيبة آمالهم، والطبقة الوسطى المرهقة، والنساء الساعيات إلى التحرر، والمثقفين التواقين إلى حرية الرأي، وزعماء الأحزاب الإصلاحية المتحمسين للانفتاح على الغرب.. كل ذلك يقود المجتمع إلى إحداث تغيير في المعادلة الثورية الإيرانية، ولن يرضى هذا الشعب بمختلف تياراته، بإحداث عمليات تجميل مؤقتة، فكما قال أحد الصحافيين الإيرانيين المسجونين أكبر غانجي: «الجن هم خارج القناني، والقناني التي كانت تحتويهم تحطمت».
كاتبة إماراتية