الفساد الذي يلتقي كل العقلاء على أنه سلوك منحرف، جوهره إساءة استخدام المنصب أو السلطات أو الموارد العامة، لتحقيق منافع خاصة.. والذي يعني تغييب المعايير الأخلاقية وانتشار الغش والتدليس وتنحية العدالة وتجويف الضمائر، ويؤدي إلى إشاعة الفاحشة في تضاعيف المجتمعات.

والذي يدمر مبدأ تكافؤ الفرص، وتبوؤ الشخوص غير المناسبين للمراكز غير المناسبة.. والذي أودى بأمم وأزال حضارات من خريطة التاريخ.. والذي تنهى عنه الشرائع والسنن السماوية وتغلظ عقوبته إلى حد النفي من الأرض وتقطيع الأطراف.. والذي تطارده القوانين الوضعية وتجرم أصحابه.

هذا الفساد يجد اليوم من يدافع عنه محاولاً تبييض صفحته!، الحكاية أن هناك من يسوقون لما يسمونها بنظرية «الفساد المنتج أو الخلاق»!.. وخلاصتها أن للفساد وظيفة إيجابية، علي اعتبار أنه يساهم في تحقيق الاستقرار اللازم لسيرورة التنمية، وذلك علي خلاف الالتزام بالقوانين واللوائح والنظم والمأسسة الصارمة والمسارات البيروقراطية «الرتيبة المملة».. ولكن كيف؟

يقول أصحابنا إن ظاهرة الفساد تفضي إلى بلورة جماعات من المنتفعين ورعاة المصالح الذاتية الخاصة؛ التي تعمل على توطيد دعائم النظام الحامي لأوضاعها ومكانتها، وإن كان فاسدا، وصيانة أركانه من الانهيار، وذلك عوضاً عن سرعة التغيير والتقلبات الملازمة لعمليات الإصلاح والتطوير، وفقا للضوابط القانونية والأخلاقية. والأهم أن الفساد يعجل بقضاء المصالح والحوائج وتبسيط الإجراءات وتيسير المعاملات مع الجهاز البيروقراطي، كما أنه يساعد على إعادة توزيع الثروة، من خلال تصنيع طبقة من أصحاب المال الصغار المستفيدين من رشاوى الرأسماليين والحيتان الكبار!.

ويمضي المتعاطفون مع الفساد، لا سيما في دول الجنوب «النامية»، إلى أن طبقة الانتهازيين الصغار هذه، تتضخم بمرور الوقت وتمسي ذات مصلحة في سلام الأمر الواقع الاجتماعي الذي تعيشه.. الأمر الذي تحتاجه جهود التنمية.

نحن هنا بصدد رؤية تفضل الاستقرار مع الفساد، على اللااستقرار ومسلسل الأزمات مع الإصلاح. وهذه رؤية سطحية بلهاء، ظاهرها الرحمة وباطنها فيه شقاء المجتمعات وأيلوتها إلي الدمار الشامل.. رؤية إن كتبت لها الحياة والغلبة، أحالت الراشين والمرتشين وتجار الرقيق الأبيض والمخدرات وأباطرة الغش التجاري والصناعي والمعماري والمحتكرين، والمتلاعبين بالعقول والنفوس ومن علي شاكلتهم من المفسدين في الأرض، أبطالاً ورواداً.

رؤية تطالبنا بأن نمجد من إذا تمكنوا أهلكوا الحرث والنسل، وذهبوا بدولة القانون والعدل وتكافؤ الفرص والنظام والمؤسسات، وتحالفوا ضد أقوامهم مع قوى الطغيان العالمي ليجعلوا أعزة أهلهم أذلة.

في إطار رؤية أو نظرية كهذه، تنشأ مجتمعات شديدة الهشاشة ومجوفة من الداخل وقابلة للكسر والسقوط؛ ينطبق عليها وصف الجبنة الدانمركية التي فيها من الثقوب أكثر مما فيها من الجبن. ويقينا لا يفطن المتنطعون المتاجرون بفكرة الاستقرار العام، ولو كان قائما على الفساد، للفرق الشاسع بين عدم الاستقرار وبين الحراك الاجتماعي والاقتصادي والسياسي.

فالاستقرار في هذه الحالة التي يتحدثون عنها، ليس سوى وصفة للموت، ومحاربته التي تعني الضرب على أيدي الفساد والمفسدين، هي الترجمة العملية لهذا النوع من الحراك.

وعموما، لا توجد في سوابق الأولين والآخرين وسنن صعود الحضارات وهبوطها، تجربة واحدة تعزز مثل هذه النظرية.. بل إن عكس ذلك هو الصحيح بلا جدال. ومن الأمثلة التقليدية ذات الدلالة في هذا السياق، ما يروى عن ذلك الجاسوس الروسي للولايات المتحدة في العهد السوفيتي، الذي كان كل المطلوب منه هو استغلال مقامه الإداري الرفيع، في توظيف الرجال غير المناسبين في أماكن لا تليق بملكاتهم.. أي تعزيز الفساد الإداري لا أكثر ولا أقل!.

ونحن شهود على ما أنتجته هذه الآلية الجهنمية لاحقا، وكيف أنها ساهمت في سقوط العملاق السوفيتي من عليائه.

إن رؤية تنظّر للفساد وتجمله، لا بد أن تكون هي ذاتها ومروجوها.. من زمرة الفاسدين.

كاتب وأكاديمي فلسطيني

mohamedalazzar@hotmail.com