وافقت روسيا على تلبية دعوة الرئيس الأميركي باراك أوباما، للتباحث في ملف الأسلحة الاستراتيجية النووية. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: ما السبب وراء مبادرة الولايات المتحدة لتخفيض ترسانتها وترسانة روسيا من الأسلحة النووية؟
إذا سميت الأمور بمسميات عدم الثقة القائم بين البلدين، فيكون الجواب على النحو التالي: واشنطن تريد ألا تملك روسيا من الرؤوس النووية ما يقدر على اختراق منظومة المستقبل الدفاعية الصاروخية الأميركية. أما بمنطق حسن النية، فإن على روسيا أن تعطي الفرصة للسياسة الجديدة في البيت ألبيض، التي تنوي تحسين سمعة الولايات المتحدة في العالم. ولهذا عليها أن تبدي استعدادها للتعاون والتفاهم حول هذه القضية الحيوية، خاصة وأنها سبق أن تعاونت فيها مع واشنطن في ظل ظروف وإدارات أميركية أسوأ بكثير من الموجودة الآن.
ما تبقى من الوقت حتى انتهاء سريان معاهدة تقليص الأسلحة الهجومية الاستراتيجية (ستارت ـ 1) التي وقعها الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة عام 1991 في تناقص، إذ ستنتهي فترة ال15 سنة منذ سريانها في 5 ديسمبر عام 2009. وبهذا الصدد تبرز إلى المقدمة من جديد قضية تقليص الترسانات النووية والرقابة على هذه العملية، لأن اتفاقية تقليص القدرات الهجومية الاستراتيجية التي وقعت في عام 2002، وتسري حتى عام 2012، لا تنص على عملية قاطعة لا رجعة فيها، ولا تحدد آلية ثابتة للتفتيش المتبادل.
وتنص المعاهدة التي وقعت في عام 1991، وسرت في نهاية عام 1994، على تحديد القدرات الهجومية الاستراتيجية لكل طرف من الطرفين ب1600 وسيلة إيصال أسلحة و6000 عبوة عليها.
يذكر أن معاهدة «ستارت ـ 2» التي وقعت بعد «ستارت ـ1» في يناير 1993، وكانت تحظر بالتحديد استخدام وسائل الإيصال (الصواريخ تحديدا) مع رؤوس انشطارية ذاتية التوجيه، لم يسر مفعولها، لأن روسيا انسحبت من «ستارت ـ 2» في عام 2004، ردا على انسحاب الولايات المتحدة في عام 2002 من معاهدة الدفاع المضاد للصواريخ لعام 1972.
اتفاقية القدرات الهجومية الاستراتيجية لعام 2002 ـ وهي الأخيرة في الوقت الحاضر من بين الاتفاقيات الموقعة حول نزع السلاح النووي ـ تثبت حدود عدد العبوات لدى كل طرف من الطرفين بما يتراوح بين 1700 و2200 عبوة.
ولا يشار في الوثيقة إلى عدد الوسائل المذكورة وعدد الرؤوس على كل وسيلة من وسائل إيصال السلاح النووي، ليترك لكل طرف تحديد تشكيلة وتركيبة قواه النووية ذاتيا على هواه. كما لا تحدد المعاهدة آلية الرقابة، إذ اقتصر الطرفان بدل ذلك على الاستناد إلى معاهدة «ستارت ـ 1» الآنفة الذكر والسارية المفعول حتى الآن، وعقد اللجنة الخاصة المكلفة بمتابعة تنفيذ الاتفاقية اجتماعاتها مرتين في السنة.
ومع ذلك، سينتهي سريان مفعول معاهدة «ستارت -1»، كما أشرنا، في نهاية عام 2009، وبعد ذلك ستفقد قوتها قواعد الرقابة والتفتيش التي نصت عليها بشأن تنفيذ الالتزامات. ولا تفرض اتفاقية القدرات الهجومية الاستراتيجية أي قيود على وسائل إيصال السلاح النووي والعبوات التي تسحب من المخازن، ومن الممكن بهذه الصورة خزنها بحرية في المستودعات، وإعادتها إلى حالة التأهب القتالي بسرعة عند الضرورة.
وهذا الوضع سوف يشكل خللا في الأمن والسلام العالمي، وستصبح القوتان النوويتان الأكبر في العالم، قدوة غير حسنة لباقي الدول، خاصة وأن هناك دولا أخرى تسعى لامتلاك السلاح النووي. ولذلك يشكل توقيع اتفاقية شاملة جديدة حول الحد من الأسلحة الهجومية الاستراتيجية، خطوة ملحة من شأنها أن تثبت، ليس الحدود الكمية فحسب، بل وآلية الرقابة على تنفيذ بنودها.
وبوسع عدم توفر مثل هذه الاتفاقية تقويض التوازن الاستراتيجي الحالي بين روسيا والولايات المتحدة، خصوصا على خلفية تنفيذ مخططات نشر المنظومة الأميركية للدفاع المضاد للصواريخ في أوروبا الشرقية (وغيرها من المناطق). وبهذه الصورة يجب أن تنص المعاهدة الجديدة في الحالة المثلى، لا على الحد من الأسلحة الهجومية الاستراتيجية فحسب، بل وعلى تنظيم العلاقات بين الطرفين في قضية الدفاع المضاد للصواريخ.
كاتب روسي