استمرار العناد الإسرائيلي بشأن سياساتها الاستيطانية في الضفة الغربية عموماً وفي مدينة القدس على وجه الخصوص، يثير أكثر من علامة استفهام بشأن مدى جدية المواقف الأميركية إزاء هذه القضية. في الأسابيع الأخيرة كانت بلدية القدس قد أعلنت عزمها إقامة العديد من الوحدات الاستيطانية في حي الشيخ جراح الذي يقع في وسط القدس الشرقية المحتلة عام 1967، الأمر الذي استدعى ردود فعل واسعة فلسطينية ودولية، ظلت كلها حتى الآن في الإطار النظري.

الفلسطينيون واصلوا التحذير من خطورة ما تقوم به إسرائيل في القدس، من عملية تهويد متسارعة، وهدم لبيوت الفلسطينيين ومؤسساتهم، وإقامة المزيد من الوحدات الإسكانية للمستوطنين اليهود، ومواصلة الحفريات تحت المسجد الأقصى، وهم أي الفلسطينيين الذين لا حول لهم ولا قوة، في مجابهة المخططات الإسرائيلية، ويستهلكون جزءاً كبيراً من وقتهم وجهدهم في صراعهم وانقسامهم الداخلي، وحوارهم غير المثمر، لا يملكون سوى مواصلة المطالبة بوقف ما تقوم به إسرائيل من استيطان ومصادرة للمزيد من الأراضي، وتهويد المدينة التي يفترض أن تكون عاصمة لدولتهم الموعودة.

في المقابل، يكرر بنيامين نتانياهو إعلاناته السياسية التي تشدد على أن القدس موحدة، عاصمة لإسرائيل، ليست محل جدل أو نقاش، وهو بذلك لا يعبر عن موقف لحزب الليكود الذي يرأسه، بل إنه يفعل ذلك بمناسبة وبدون مناسبة، لتمكين تحالفه الحكومي، ذلك أن مثل هذا الموقف يرضي تماماً حزب المتدينين الشرقيين (شاس) الذي يشكل أحد أعمدة حكومته. نتنياهو كان قد اشتكى قبل أسابيع قليلة من أن الإدارة الأميركية تستهدف إزاحته عن رئاسة الحكومة، الأمر الذي يدعوه للبحث عن أي طريقة تساعده على تمكين تحالفه القومي.

الإدارة الأميركية طالبت إسرائيل بوقف الاستيطان، وقد صدر الموقف الأولي عن قنصلها العام في القدس، وفي وقت لاحق قيل إن السيناتور جورج ميتشل المبعوث الأميركي لعملية السلام، قد أجل زيارته التي كانت مقررة للمنطقة الأسبوع الجاري، بدءاً بإسرائيل. بعض المراقبين اعتبروا تأجيل الزيارة ينطوي على رسالة احتجاج بسبب تعنت الموقف الإسرائيلي، لكن هذا الاعتقاد يتبدد حين نعلم أن الإدارة الأميركية قررت إرسال وزير دفاعها روبرت غيتس، بدلاً من ميتشل، لمناقشة موضوع الاستيطان.

هذا الإجراء غير مفهوم، والأرجح أنه لا يندرج في إطار تقوية الرسالة الاحتجاجية أو في إطار العمل من أجل السلام، فهذه قد تكون مهمة ميتشل أو وزارة الخارجية أو مجلس الأمن القومي.

وليست من مهمات وزارة الدفاع. في الأغلب فإن زيارة وزير الدفاع الأميركي، إنما تتغطى بموضوع البحث عن السلام، تماماً كما فعل وزير الدفاع الإسرائيلي إيهود باراك الذي تعددت زياراته لواشنطن خلال الأشهر الأخيرة، والقصد الأساسي هو البحث في كيفية معالجة الملف النووي الإيراني، الذي تتصاعد وتيرة التصريحات الساخنة بشأنه.

من خلال التجربة العملية، نعلم نحن الفلسطينيين، أن الولايات المتحدة يمكنها إلزام إسرائيل بالتوقف الفوري والتام، عن أية إجراءات ترى واشنطن ضرورة وقفها، ونعلم أن الإسرائيليين أكثر من غيرهم يفهمون معنى الرسائل الأميركية، حتى بدون إعلانات صاخبة أو مواقف وقرارات استثنائية.

والأرجح أن الإدارة الأميركية غير جادة في موقفها إزاء ضرورة الوقف الفوري للاستيطان، وأنها لا تزال تفتقر إلى الرؤية الكاملة والتفصيلية لعملية السلام، التي تبدي جدية واضحة في العمل من أجلها قبل نهاية ولاية الرئيس باراك أوباما، وعدا عن ذلك فإن واشنطن تعمل لتهيئة وتحضير الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني قبل الدخول في مفاوضات وعملية سلام، ينبغي أن تتوفر لها عوامل النجاح.

وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير كان قد صرح للصحافيين ووسائل الإعلام، أن الإدارة الأميركية منحت إسرائيل فرصة ستة أشهر حتى توقف الاستيطان، أي حتى نهاية هذا العام، وهي مهلة متاحة أيضاً للفلسطينيين لكي يتفقوا على إنهاء انقسامهم السياسي، الأمر الذي يفسر أكثر من العوامل الأخرى، سبب التأجيل المتكرر لجلسات الحوار في القاهرة.

إذا كان ذلك صحيحاً، والأرجح أنه كذلك، فإن لدى إسرائيل بعض الوقت لتسوية أوضاعها الاستيطانية، وبناء أو استكمال بناء ما تريد بناءه من وحدات استيطانية، ربما بذريعة إسكان من سيتم إخلاؤهم من ثلاث وعشرين بؤرة استيطانية عشوائية، تقول حكومة نتانياهو إنها ستقدم على تفكيكها. معنى ذلك أن هناك تفاهمات بين إسرائيل والولايات المتحدة، لكن هذه التفاهمات لا تشمل ما أعلنته بلدية القدس وتقول حكومة نتانياهو إنها ليست المسؤولة عنه، وهو البناء في حي الشيخ جراح وسط القدس، ولذلك كان الموقف الأميركي مطالباً بوقف هذا البناء.

في حقيقة الأمر، الموقف الأميركي من الاستيطان لا يستند إلى القرارات الدولية الأكيدة التي تعتبر الاستيطان غير قانوني وغير شرعي، والتي تعتبر القدس والضفة الغربية أراضي محتلة لا يجوز لإسرائيل المحتلة أن تقوم بتغيير واقعها. إن منشأ ودافعية الموقف الأميركي من الاستيطان سياسي، وفي اتجاه توظيف الوقائع الاستيطانية، من أجل إقناع الفلسطينيين والعرب بضرورة دفع ثمن توقف إسرائيل عن هذه السياسة، قبل أن تبدأ العملية التفاوضية لتحقيق رؤية الدولتين.

إسرائيل من جانبها تدرك مدى أهمية السلاح الذي في يدها، وتريد من خلال تصلبها أن تبتز الفلسطينيين والعرب والمسلمين والمجتمع الدولي، لدفع أثمان باهظة مقابل الامتثال للإرادة الدولية التي تطالبها بوقف الاستيطان. وفي الأصل فإن العدل يقتضي أن يقف المجتمع الدولي بكليته، بما في ذلك الولايات المتحدة، بحزم أمام السياسة الإسرائيلية التي عليها أن تفكك مستوطناتها، طالما أنها تخالف القانون والقرارات الدولية، وأن لا يكتفي هؤلاء بمطالبتها بوقف الاستيطان.

على أن المسؤولية لا تقع على المجتمع الدولي وحده، إذ علينا أن نتساءل عما يفعله العرب والمسلمون وحتى الفلسطينيون، في إطار مجابهة السياسة الإسرائيلية الاستيطانية ومخططاتها لتهويد القدس وعزلها!.. ومن الواضح أن الفلسطينيين المنقسمين على أنفسهم، إنما يقدمون لإسرائيل الذريعة للتهرب من استحقاقات الموقف الذي يطالبها بتجميد الاستيطان، ذلك أن تأخير الاتفاق بينهم يعطي إسرائيل المزيد من الوقت للمضي قدماً في مخططاتها.

كاتب فلسطيني

talalokal@hotmail.coma