نشرت الصحف الإسرائيلية أن فريدريك هوف، مساعد جورج ميتشل والمسؤول الإميركي عن الملف السوري، حمل معه في زيارته لإسرائيل وسوريا الأسبوع الماضي، مشروع تسوية سورية إسرائيلية يقضي بانسحاب إسرائيل من هضبة الجولان المحتلة وعودة السيادة السورية إليها، بشرط تحويل ثلثي مساحتها إلى محمية مفتوحة يرتادها السكان من الطرفين، بدون سمة دخول أو تأشيرة أو أي عائق آخر. كما نشرت صحف ووسائل إعلام أخرى أن لقاء سورياً إسرائيلياً سينعقد في اليونان، برعاية يونانية ومباركة ومشاركة أميركية غير مباشرة، وسيضم الوفد السوري أكاديميين غير رسميين.
. في الوقت الذي صرح موشيه يعالون وزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي بأنه لا جدوى من استئناف مفاوضات السلام مع سوريا، كما أكد وليد المعلم وزير الخارجية السوري أن أية مفاوضات مباشرة محتملة بين الطرفين، لن تعقد إلا إذا قبلت الحكومة الإسرائيلية مبدأ الانسحاب الكامل من الأراضي السورية المحتلة.
يتشدد موقف الحكومة الإسرائيلية الحالية أكثر من موقف أية حكومة أخرى سابقة، تجاه الانسحاب من هضبة الجولان، فقد رفضه رئيسها بنيامين نتنياهو أثناء حملته الانتخابية قبل بضعة أشهر، وأكد هذا الرفض بعد تشكيل الحكومة، وقال إنه لن يقبل بشروط مسبقة للتفاوض، وكان يقصد الموقف السوري المعلن الذي يطالب إسرائيل بقبول مبدأ الانسحاب من الأراضي السورية المحتلة بكاملها، مما يعني أن المفاوضات التي يريدها نتانياهو للوصول إلى تسوية، سوف تقتصر على بحث الشكليات أو القضايا الثانوية، ولا تدخل في عمق الصراع أو الخلاف، وتعتبر أن الانسحاب من الجولان أمر مرفوض، خاصة وأن هذا الانسحاب يحتاج لموافقة ثلثي أعضاء الكنيست الإسرائيلي، الذي قرر ضم الجولان إلى إسرائيل عام 1981.
جرت مفاوضات سورية إسرائيلية قبل الآن عدة مرات، وكادت أن تصل إلى اتفاق تسوية مع حكومة رابين وبعدها مع حكومة باراك، ولكنها فشلت في الحالتين. وقد تم الاتفاق على أكثر من الإطار العام في ذلك الوقت (مع رابين ومع باراك) على مضمون التسوية المحتملة بكامل تفاصيلها تقريباً، وبقي أمر واحد عالقاً هو ترسيم الحدود عند بعض شواطئ بحيرة طبرية، حيث أصر الجانب الإسرائيلي على أن لا تكون شواطئ البحيرة هي الحدود النهائية، وطالب بابتعاد الحدود السورية ولو عدة أمتار..
حتى لا تكون سوريا شريكاً في البحيرة لها حقوق استخدامها أو الصيد فيها باعتبارها دولة مشاطئة، وقد قدرت مساحة الأراضي المختلف عليها بحوالي أربعة وأربعين كيلو مترا مربعاً أو ما يقاربها، وانفضت المفاوضات في الحالتين دون نتائج، وانتهى المولد «بلا حمص».
من الواضح الآن أن الظروف والشروط المحيطة بالانسحاب الإسرائيلي من الجولان أكثر تعقيداً من أي وقت مضى، ذلك أن الحكومات السابقة (بما فيها حكومتا بيغن وشامير) كانت تعترف مباشرة أو مداورة بأن هضبة الجولان سورية، وأن لسوريا الحق في استعادة السيادة عليها، ولكنها تطالب مقابل ذاك بالاعتراف بمكاسب عديدة، وخاصة في مجالات تقاسم المياه وتوسيع المناطق المنزوعة السلاح وشروط التطبيع وغير ذلك. أما الآن فإن حكومة نتنياهو ترفض مبدأ الاعتراف بالسيادة السورية على الهضبة.
ولا تقبل حتى مجرد البحث في الانسحاب منها، لا بشروط ولا بغير شروط، وإن قبلت ما قيل إنه مشروع أميركي جديد، أي تحويل الهضبة إلى محمية يستفيد منها الطرفان، فإنها ستقبل ذلك على أساس استمرار الوجود الإسرائيلي فيها والانتفاع منها. ومن يعرف؟ فقد يصر نتنياهو ومجموعته.
الجانب السوري يرفض رفضاً مطلقاً أية تسوية، أو حتى البدء بمفاوضات من أجل التسوية، إذا لم تعترف إسرائيل بحق سوريا في أراضيها المحتلة وسيادتها عليها، وتقبل بالانسحاب من هذه الأراضي في إطار هذه التسوية. وعند ذلك، وبعد هذا القبول، يمكن التفاوض على بنود التسوية الأخرى، مهما كان طيفها واسعاً، إلا أن رفض حكومة نتنياهو قبول مبدأ الانسحاب يلغي عملياً كل احتمالات ببدء مفاوضات بين الطرفين، وبالتالي يلغي إمكانية عقد تسوية بينهما، إذ لن تكون هناك نقاط لقاء بين المتفاوضين يمكن الانطلاق منها، وتساعد راعي المفاوضات أياً كان على تقريب وجهات النظر.
أما بخصوص حدود الانسحاب، فإن الموقف السوري، خلال الأربعين عاماً الماضية، كان ثابتاً وحاسماً ومصراً على انسحاب كامل حتى حدود الرابع من يونيو، بما يعني أن سوريا ستكون دولة مشاطئة لبحيرة طبريا، كما كان الحال قبل الاحتلال، حيث كان السوريون يسبحون في البحيرة (وقد سبحت أنا نفسي فيها) ويصطادون فيها دون عقبات، ويصرون الآن على عودة السيادة السورية إلى ما كانت عليه في ذلك الوقت. وبهذا الأمر يبدو أن الموقف السوري غير قابل للتراجع، وليس لدى سوريا لا الرغبة في تغيير موقفها ولا القدرة على ذلك، لأسباب عديدة إيديولوجية وسياسية وداخلية وغيرها، مما له علاقة بمصداقية النظام نفسه.
في ضوء هذه الظروف ومواقف الطرفين المتناقضة، يبدو واضحاً استحالة الوصول إلى أية تسوية، وإذا بدأت مفاوضات بين الطرفين فإن نتانياهو يريدها مفاوضات لتمرير الوقت، وملهاة للرأي العام العربي والدولي، تساعده على التهرب من الالتزام بالقرارات الدولية والشرعية الدولية، وعلى ذر الرماد في عيون الذين مازالوا يعتقدون أن حكومة نتنياهو يمكن أن تقبل السلام.
كاتب سوري
