أما وقد هدأ الوضع الداخلي في إيران، بعد الفورة التي شهدتها على خلفية الاعتراضات على نتائج الانتخابات الرئاسية التي أجريت في 12 يونيو الماضي، فإنه يحق لنا البحث عن الذين حققوا أرباحاً والذين حققوا خسائر سياسية، سواء أكانوا أطرافاً داخلية أم إقليمية أم دولية.
والحاصل أنه على الرغم من انحسار حركة الشارع المعارضة لنتائج الانتخابات في إيران، وعودة الهدوء نسبياً إليها، إلا أن تداعيات هذا الحدث سيكون لها تأثير على مستقبل إيران، وعلى دورها الإقليمي على وجه الخصوص.
وإذا بدأنا بدراسة تداعيات هذا الحدث على النظام الإيراني، علينا أن نفكك هذا النظام إلى عدة عناصر وأطراف، ونبدأ بالتيار المهيمن داخل النظام وعلى رأسه المرشد الأعلى للثورة علي خامنئي، الذي لا يمكن أن نعتبره من الذين ربحوا في هذه المواجهة، وتتجسد خسارته في أمرين، الأول أنه انحاز لطرف داخل النظام ضد آخر من داخل النظام أيضاً، وهو ما يعني أنه لم يعد محايداً، في رأي المعارضين على الأقل، حسبما يقضي منصبه.
أما الأمر الثاني فهو هتافات الجماهير ضده في المظاهرات، وهو ما يعني أنه فقد بعضاً من هيبته، وربما شرعيته، لدى مواطنيه. وبالتالي فإن خسارة المرشد تتجسد في أن وضعه وهيبته وشرعيته لدى جماهيره قبل الأحداث أفضل منها بعدها. ولعل ما يؤكد ذلك أنه في إحدى خطبه طالب الجماهير بإيقاف المظاهرات، وهو الذي جعل معظم المراقبين يتوقعون توقفها، لكنها لم تتوقف، مما يؤكد تراجع مكانة المرشد الأعلى للدولة لدى الجماهير، ولو مؤقتاً.
أما الطرف الثاني في النظام فهو الرئيس أحمدي نجاد، الذي نستطيع القول إنه على الرغم من إعلان فوزه وتكريسه رئيساً للجمهورية، إلا أنه أحد الخاسرين الكبار، إذ يبدو أن هيمنته في منصبه ستقل عن ولايته السابقة. كذلك فإن مقاطعة عدد كبير من نواب البرلمان لجلسة إعلان فوز نجاد، حسبما قالت وسائل الإعلام، يعني أن علاقته بالبرلمان ستشهد توتراً في ولايته الثانية، وهو ما يعتبر خصماً من رصيده الشعبي والرسمي.
والطرف الثالث من التيار المهيمن داخل النظام، هو كل من الحرس الثوري والباسيج، وهما اللذان حسما الصراع لصالح التيار المحافظ في الدولة، وهذا النجاح في الحسم سوف يرتب عليهما استحقاقات، بما يعني أن دور هذين التنظيمين في الدولة سوف يزداد على حساب التيارات والمؤسسات المدنية، سواء داخل السلطة أم تلك التي على هامشها.
أما الطرف الآخر داخل النظام الذي حقق ربحاً، فهو التيار الإصلاحي الذي على الرغم من فشل مرشحه في الانتخابات الرئاسية، إلا أنه اكتسب زخماً وأعاد تنظيم نفسه، وذلك عبر اتجاه رموزه إلى تأسيس كيان سياسي، سواء كحزب أو كتيار مستقل، وحشد أنصار جدد له، بل وأصبحت وسائل الإعلام الخارجية تضعه في بؤرة الاهتمام.
والغريب في نتائج هذا الحدث، هو أن الطرفين اللذين حققا مكاسب وأرباحاً هما طرفان نقيضان، بما يعني أن إيران سوف تشهد في المرحلة المقبلة استقطاباً حاداً بين تياراتها السياسية التي تعمل من داخل النظام، بما يؤكد أن الصراع سوف يستمر بصورة أو بأخرى، وأنه لم يحسم نهائياً، وإنما ما تم هو حسم مؤقت لطرف على حساب الطرف الآخر.
والطرف الأخير من أطراف النظام، وهو المؤسسة الدينية في قم، والذي نستطيع القول إنه ليس رابحاً ولا خاسراً، ذلك أن المؤسسة انقسمت حول الموقف من الانتخابات ومن التظاهرات التي أعقبتها، حيث لم تنحز بكاملها لصالح طرف ضد آخر، وهو ما يعني أن وزنها ومكانتها لدى الشعب الإيراني لن يهتزا ولن يتراجعا في الفترة المقبلة، وستظل تقوم بدورها وتحتفظ بنفوذها ومكانتها لدى الجماهير.
وإذا ما تركنا الأطراف الداخلية جانباً وانتقلنا إلى الأطراف الإقليمية، سنجد أن إيران الدولة كانت في مقدمة الخاسرين، ذلك أنها من خلال تداعيات الحدث، ستضطر لأن تنكفئ على ذاتها من أجل ترميم وضعها الداخلي، وإعادة اللحمة إلى المجتمع، وهو الأمر الذي لا بد وأن يعطلها عن سعيها لأن تمد من نفوذها الإقليمي. وذلك يعني أن هذا السعي سوف يتباطأ في المرحلة المقبلة، الأمر الذي يعطي فرصة لأطراف أخرى كي تسعى إلى ملء الفراغ الذي تسعى إيران لأن تسده.
والأطراف المرشحة لأن تملأ الفراغ الإقليمي، أو تلك التي تشعر بالقلق ولديها مخاوف من الامتداد الإيراني في المنطقة، هي التي تعتبر، حتى الوقت الراهن، من الأطراف الرابحة. ونذكر منها ـ على سبيل المثال ـ كلاً من مصر وتركيا وإسرائيل. كذلك فإن هناك أنظمة إقليمية سوف تخف الضغوط عنها، بسبب تخفيف السعي الإيراني لمد النفوذ، ونخص هنا بالتحديد لبنان، حيث سيقل الدعم الإيراني لحزب الله، وهو بالأخص دعم معنوي أكثر منه مالي أو عسكري.
أما على الصعيد الدولي فنجد أن الطرف الأكثر استفادة من الحدث الإيراني، هو الولايات المتحدة الأميركية التي وجدت ظرفاً تستطيع استثماره في تدشين مرحلة جديدة ومختلفة من حربها الباردة ضد النظام الإيراني، ووجدت فرصة لأن تحشد رأياً عاماً دولياً مناهضاً لهذا النظام، وهو ما يعني أن سياستها الساعية لحصار النظام الإيراني اكتسبت زخماً كبيراً بهذا الحدث، وبالتالي يجب التعامل مع الولايات المتحدة باعتبارها في مقدمة الرابحين من أي خلل أو اهتزاز يصيب النظام الإيراني.
كاتب مصري
