نسمع، ومنذ سنوات، عن مؤتمرات تعقد وعن لقاءات تُجرى وعن أحاديث، مستمرة أحياناً، ومتقطعة أحياناً أخرى، حول ما اصطلح على تسميته، في العراق الجديد، «المصالحة الوطنية».

أما على مستوى الملموس فلا نجد أمامنا سوى جمود في العملية السياسية، وتلبد أجوائها بما هو جديد وخطير ينذر بالصدام مع الشركاء في العملية السياسية، وليس مع من أقصوا عنها، مما يجعل الحديث عن المصالحة الوطنية في غير مكانه وفي غير زمنه. ولعل أفضل ما يمكن تحقيقه في الوقت الراهن هو تفادي وقوع صدامات في المناطق المتنازع عليها، وهي مناطق واسعة، بين الشركاء في العملية السياسية الذين تفاقمت الخلافات بينهم إلى حد ينذر بالخطر في الآونة الأخيرة.

اكتسبت «المصالحة الوطنية» بعداً جديداً بعد زيارة نائب الرئيس الأميركي جوزيف بايدن إلى العراق مؤخراً، حيث أغضب البعض الذي اعتبره تدخلاً في الشأن العراقي، حين ركز في لقاءاته مع كبار المسؤولين على أهمية إعارة هذا المحور أهمية خاصة. فالولايات المتحدة ترى أن استقرار العراق وجدولة انسحاب القوات الأميركية منه، لن يتحققا بغير ذلك.

ولم تخل أجواء اللقاء بين رئيس الوزراء العراقي والرئيس الأميركي، في الثاني والعشرين من يوليو الجاري في واشنطن، من الحديث عن هذا الموضوع، رغم أن جدول الأعمال المعلن لذاك اللقاء لم يتطرق إلى ذلك.

المصالحة الوطنية لم تعد شأناً عراقياً فحسب، كما يصر البعض على ذلك، بل أصبحت مصدر اهتمام إقليمي ودولي، وذلك لما للعراق من أهمية استراتيجية كبيرة في استقرار منطقة الشرق الأوسط، التي بدأت تشكو من خلل كبير وخطير في التوازنات الاستراتيجية، بعد خروج العراق من معادلات توازن القوى، خاصة وأن المصالحة الوطنية ترتبط إلى حد كبير بهوية الدولة العراقية، قربها أو بعدها عن العالم العربي.

محاور عديدة طُرحت لمقاربة هذا الموضوع المهم والأساسي الذي يتعلق بمستقبل العراق، وهي لم تخرج في مجملها عن تقييم آفاق الانفتاح على أنصار النظام السابق، وعن مدى المساومات وحجم التنازلات التي يمكن أن تقدم لقيادات ذلك العهد، مدنيين أو عسكريين. وقد وصلت هذه الجهود إلى طريق مسدود بسبب عدم توافر النوايا الحسنة من جهة، وبسبب البون الشاسع في الطروحات وعمق الخلافات بين أطراف النزاع، من جهة أخرى. وكان آخر ما ورد في هذا الصدد، هو ما أعلنه رئيس الوزراء العراقي، بعد تعرضه لضغوط من كتل سياسية مهمة في الساحة السياسية، من رفضه المطلق للتصالح مع رموز النظام السابق.

في هذا السياق نطرح مقاربة لهذا المحور، من منطلق آخر يتفق مع المسمى الكبير الذي يحمله «المصالحة الوطنية». ولعل أفضل مدخل لهذه المقاربة هو: التساؤل عن واجبات الحكومة إزاء شعبها؟

سؤال مركزي يدخل في صلب الموضوع، وترسم الإجابة عنه، عبر الأحداث اليومية التي تتفاعل فيها سياسات الحكومة وإجراءاتها مع المواطن، من خلال ما تقدمه له، مسارات المستقبل الذي يصنعه هذا المواطن مع غيره، حين يتحركون نحو مراكز الاقتراع لانتخاب أعضاء مجلس النواب في يناير المقبل.

لا نأتي بجديد حين نشير إلى أن مسؤوليات الحكومة، على المستوى الخارجي، تتعلق بضمان أمن الدولة وسيادتها، وتأمين حدودها وبناء وسائل الدفاع الكفيلة بصيانة أرضها وسمائها ومياهها، وإقامة العلاقات المتكافئة والمتوازنة مع الدول الأخرى، واختيار ممثليها لدى هذه الدول بعناية فائقة، بما يخدم هذا الأمن ويحقق مصالح الشعب على مختلف المستويات، دون مساس بالسيادة الوطنية.

أما على المستوى الداخلي فواجباتها كثيرة ومتنوعة، نذكر منها:

1 ـ الالتزام بخير المواطن، والسهر على أمنه وتوفير الخدمات المتنوعة له، وضمان حصوله على كل حقوقه.

2 ـ الالتزام بتحريم خلط معتقدات الناس بالأجندة السياسية، والعمل على تأسيس ثقافة تعزز هذا النهج.

3ـ الالتزام بعدم التحيز في سياساتها لفئة أو شريحة من الشعب.

4 ـ الالتزام بمعايير الكفاءة في اختيار من يشغل أي موقع في جهاز الدولة، بغض النظر عن عرقه أو دينه أو طائفته.

5 ـ الالتزام بمعايير الشفافية على مختلف المستويات، وعدم الخشية من كشف أوراقها أمام الشعب، وعدم الخشية من الوقوف أمام منظمات حقوق الإنسان العالمية، وعدم التوجس من محاسبة مجلس النواب لمنتسبيها.

6 ـ الالتزام في كل ممارساتها بالرجوع إلى دستور خال من المواد الملتبسة، وخالٍ من الألغام وقد كتب بحسن نية.

7 ـ انتهاج سياسة مدروسة لتوفير فرص العمل ومكافحة البطالة بحيادية تامة.

8 ـ العمل، ليل نهار، على استرجاع ما سرق وما يسرق من أموال الشعب، واستخدام حقها في مقاضاة الأفراد أو المنظمات التي تقف خلف ذلك أو تتستر عليه، داخل العراق وخارجه.

9 ـ انتهاج سياسة صارمة في مكافحة الفساد بشتى أنواعه، وتشريع قوانين حازمة بحيث لا يجرؤ أحد على مد يده إلى المال العام، أو تسخير ما يخص الدولة لمنفعته الخاصة أو منفعة المقربين إليه.

10 ـ تعزيز هوية المواطنة وعدم السماح بإشغال المواقع القيادية في الدولة إلا لمن يحملون الجواز العراقي فقط.

حين تكون الحكومة بهكذا مواصفات، لن تكون بحاجة إلى التحرك نحو ما نسميه «المصالحة الوطنية»، بل إن هذا المحور سوف يلغى من أجندتها. فالمواطن العراقي، أياً كانت مبادئه، وأياً كان عرقه، وأياً كان دينه، وأياً كانت طائفته، سيجد نفسه في موقف التصالح والتكاتف مع هكذا حكومة، وليس العكس، وسوف يتوارى بعيداً من لا يقف معها، فرداً كان أم حزباً، ويخجل من طرح رؤاه التي ستكون، من غير شك، موضع استهجان على مستوى واسع.

المصالحة الوطنية، في هذا السياق، لا تعني تقديم مكاسب للآخرين أو تقاسم المغانم معهم، ولا تعني كذلك منحهم مقاعد متقدمة خلف كواليس صناعة القرار، ولا تعني الانحناء أمام أحد وتقديم الاعتذار له. إنها تعني انحناءً أمام رغبات الشعب، إنها تعني المصالحة مع الوطن، وهي أقصى ما يطمح إليه كل مواطن عراقي.

كاتب عراقي

majamal@emirates.net.ae