ما زال الحوار محتدما حول توفير السبل والعوامل لبناء تحالف الحضارات، وذلك في إطار مواجهة بعض النظريات المتشددة، والتي تعتبر أن تنامي العنف وانتشار الأعمال الإرهابية التي تطال المدنيين في مختلف دول العالم، يعود إلى صراع بين الحضارات، سببه تباين المفاهيم وتضارب التوجهات بين العالم الغربي والإسلامي.

ولا شك أن منطق تصنيف المجتمع الإنساني وتقسيمه على أسس دينية، باعتبار أن هذا الخيار يشكل أرضية خصبة لتنامي الاتجاهات المتشددة، أمر يبتعد عن التوجه الصحيح ويفتقد الموضوعية وأسس البحث العلمي، بل ويقدم مصداقية لبعض الاتجاهات المتطرفة.

بدأ العديد من الباحثين في دراسة المشروع الذي تقدمت به تركيا واسبانيا في عام 2004 حول تحالف الحضارات، والذي لاقى ترحيبا من كوفي أنان السكرتير العام السابق للأمم المتحدة.

وتفيد تقارير مركز الدراسات الاستراتيجية والسياسية التابع لمعهد الاستشراق الروسي، أن طرح مشروع تحالف الحضارات، الذي تقدمت به تركيا واسبانيا عام 2004 للأمم المتحدة، لم يكن من باب المصادفة، نظرا لأن ملف التعاون المتبادل بين الغرب والعالم الإسلامي اكتسب أهمية خاصة في الفترة الأخيرة، حيث يعيش في أوروبا والأميركتين أكثر من 50 مليون مسلم.

وتمثل هذه الجالية في المجتمعات المذكورة أقلية. وتواجه العلاقة بين الجاليات الإسلامية وهذه المجتمعات مشاكل في أغلب الأحيان، وخاصة في الدول الأوروبية كفرنسا والبرتغال وأسبانيا وبريطانيا. ولهذا فإن الأوروبيين يفكرون في الوقت الحاضر في كيفية تحسين العلاقة بين العالمين الغربي (وخاصة المسيحي) من جهة، والإسلامي من جهة أخرى.

وهذا الوضع هو السبب المباشر الذي دفع السعودية لتنظيم مؤتمر حوار الحضارات الصيف الماضي برعاية المنظمات الدولية، باعتبار أن لهذه المشكلة جانبا آخر يتمثل في اتجاهات تكييف المهاجرين من البلدان الإسلامية مع الحياة والثقافة الأوروبيتين، إذ ما زال طريق اندماج الجاليات الإسلامية في الدول الأوروبية غير واضح المعالم، حيث يدور الحديث عن دمج أبناء هذه الجاليات بالكامل بالثقافة الأوروبية، أو على العكس من ذلك منحهم إمكانيات أكبر لتعزيز وتطوير هويتهم الإسلامية.

وفي هذا السياق، حدد الرئيس الروسي ديمتري مدفيدف موقف الكرملين تجاه حل هذه القضية الخلافية، حيث أعلن أن السلطات الروسية ستواصل دعم المسلمين في مهمة إنشاء نظام تعليمي إسلامي وفي مجال إعداد الأئمة، مؤكدا على أهمية أن يكون لدى مسلمي روسيا الاتحادية نظام خاص لإعداد الأئمة والمدرسين، باعتبار أن التعليم والتربية الإسلاميين مدعوان للعب دور كبير في مواجهة التطرف.

وقد تحدث الرئيس مدفيدف في وقت سابق عن أن تضافر جهود الجمعيات والمؤسسات الدينية والبنى الحكومية، يشكل شرطا هاما للوفاق والسلام في المجتمع ويضع أرضية لتطوره، على أساس التسامح واحترام التقاليد الدينية والثقافية والتاريخية، ما يعنى أن روسيا تتبنى الاتجاه الآخر في تكيف المهاجرين وأبناء القوميات والأديان المختلفة ضمن المجتمع الواحد. ولعل الاختيار الروسي أكثر نضجا وواقعية من اختيارات بعض الدول الأوروبية الأخرى، ويعود ذلك لسببين:

1 ـ أن أبناء القوميات والأديان المختلفة، هم نسيج وقوام المجتمع الروسي ومواطنون في روسيا الاتحادية، وليسوا مجرد مهاجرين قدموا إلى روسيا لأسباب مختلفة، ويعتبرون أن روسيا وطنهم الأم.

2 ـ أن التعايش الثقافي والقومي والعقائدي يشكل حالة إثراء للحضارة والثقافة الروسية، ويجسد مفاهيم الديمقراطية، ويبتعد عن قمع الثقافات الأخرى.

الرؤية الروسية، عمليا، توفر المناخ الملائم لإطلاق مشروع حوار الحضارات، إلا أن هذا المشروع ما زال يحتاج لمزيد من البلورة كي يصبح مشروعا عمليا وقابلا للبحث والتنفيذ. ولدى روسيا تجارب غنية ومتعددة يمكن أن تلعب دورا مؤثرا في بلورة هذا المشروع، منها تجربة جمهورية تتارستان، إذ يمكن اعتبار تتارستان مثالا متميزا للتسامح والاعتدال، وللاستفادة من تعاون الأديان لأهداف بناءة، وتطوير القيم الاجتماعية والدينية ومزجها بقيم العالم المعاصر.

خبيرة روسية في شؤون الطاقة

jannamarat@km.ru