ليست هذه السطور في سرد الشمائل المحمدية، فهي أوضح من نور الشمس لمن أراد أن يعرفها، ولكنها مجرد وقفة بسيطة لمراجعة بعض الأوراق القديمة، وهي في الوقت نفسه تذكير لي قبل غيري بأي تقصير تجاه نبينا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ في ذكرى الإسراء والمعراج المباركة، التي مرّت مطلع هذا الأسبوع، وهو احتفاء بشكل أو بآخر بهذه الشخصية التي لا تزال تبهر الكثيرين، وإن كان وجودها في ذاكرة ملايين من البشر على مدى قرون متتالية يثير حقد الكثيرين أيضًا.

بينما كنت أتصفح الشبكة العنكبوتية قبل أيام صادفت مقالا مهمًا، يبين تناقصًا كبيرًا في تعداد الشعب الدانمركي، مقارنة بتعدادهم قبل ثلاثين عامًا، وكذلك مقارنة بغيرهم من الدول الأوروبية المجاورة.

صاحب المقال يربط بين إحصائيات وأبحاث كتبت بأقلام دانمركية، وقُدمت عبر وسائل إعلام الدانمرك نفسها، مرجعة سبب هذا التناقص اللافت للنظر إلى أسباب وراثية جوهرية، من جهة، وبين قوله عز وجل (إن شانئك هو الأبتر) من جهة أخرى، ويرى أن هذا هو الرد السماوي على تطاول بعض أفراد هذا الشعب على رسول الله محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وجرأته عليه، مع عدم إبداء السلطات الدانمركية أي احتجاج أو اعتذار رسمي صريح، إلا ما كان منها على استحياء، ولم يكن من قبيل الاعتذار بقدر ما كان من قبيل توضيح وجهات النظر.

المصدر الأصلي لهذه المعلومات منشور منذ عام 2000م، وموجود على الشبكة، وقد جاء فيه أن هذه الاختبارات تمت في عامي 1996م، و1997م، ولكن كاتب المقال ـ في دفاعه عن رسول الله عليه أفضل الصلاة والسلام ـ لا يتوقف كثيرًا عند هذا الفارق الزماني بين حدوث الإساءة الأولى ـ مع تحفظي على وصفها بالأولى ـ وهذه المعلومات المنشورة في بحث علمي محكم، لأنه يستند إلى قوله تعالى (إن شانئك هو الأبتر)، وبحسب عدد من التفاسير يذهب الكاتب إلى أن المقصود بالأبتر هنا هو الذي ينقطع نسله، أو الرجل إذا كان ولد ثم أبطأ عليه.

كما يتوقف عند لفظة (شانئك)، وتفسيرها هو مبغضك، بغض النظر عن الزمان والمكان، فليس هو الذي بغضك في الماضي، ولا الذي كان يبغضك في ذلك الوقت (الحاضر آنذاك)، إنما هو الذي يقوم بفعل البغض في كل وقت وفي كل مكان. لذلك فإن هذا الوصف ينطبق على أفراد الشعب الدانمركي الذين أساؤوا بشكل جماعي ـ من وجهة نظره ـ حين أساء الرسام، ودافعت عنه الصحيفة، وغيرها من الصحف والصحفيين، والسياسيين، والرسامين، وغيرهم، وقد أدخلوا هذا الرسم الكاريكاتيري في باب حرية الرأي وحرية الصحافة، وهي «الشماعة» التي علقت عليها الحكومة الدانمركية تهربها من إجبار الصحيفة على الاعتذار.

يبدو تحليل هذا الكاتب منطقيًا، مع أنني أتساءل إن كانت هذه هي الإساءة الوحيدة التي تعرض لها الرسول عليه الصلاة والسلام، ومن هذا الشعب فقط، كي يُحكم عليه بانقطاع النسل، أو أنها واحدة من جملة إساءات لا نعرف لها عدًا أو حصرًا، ولا زمانًا ولا مكانًا!

وهذا هو سبب تحفظي السابق على وصف الإساءة التي أطلقها ذاك الرسام الدانمركي ـ الذي لا تزال إلى اليوم تصلنا رسائل على بريدنا الإلكتروني بأنه وُجد محروقًا في منزله، والحكومة الدانمركية تتكتم على ذلك ـ عام 2006م إن لم تخنّي الذاكرة. فهذه الإساءة هي التي طبّل الناس وزمروا لها، ولكن ألا توجد إساءات غيرها؟

من المؤكد أنه توجد إساءات كثيرة، بل إن بعضها من أناس يعيشون بيننا، وتصدر عنهم إساءات لشخصية رمزية مهمة كالنبي محمد عليه وعلى آله أفضل الصلاة والسلام، دون أن تقوم قيامتنا جميعًا كما قامت مع تلك الرسومات الدانمركية!

لست ضد أن يعبر كل واحد منا عن رفضه المساس بشخصية الرسول عليه الصلاة والسلام، ولكن.. ماذا حدث بعد أن قام من قام، وثار من ثار، وخرج من خرج في مظاهرات، وغضب من غضب؟ ما الذي قمنا به فعليًا لنعرّف الآخرين بجوهر الشخصية المحمدية؟ لن أنكر الجهود التي بُذلت، ولكن هل تكفي؟

إننا في مقابل هذه الجهود نجد جهودًا أخرى أكثر عزمًا وشراسة. نجد كُتبًا تؤلف عن (الجنس في حياة النبي) بقلم عربي، يقطر وقاحة وبذاءة، ونجد كتابًا يؤلف ردًا على رواية لم تمس دينًا سماويًا، لكنّ مَنْ آفتُه من الفهم السقيم رآها كذلك، وألّف كتابًا تأنف أصابعي من كتابة اسمه، ولم نسمع عن مظاهرات قامت، أو أعلام حُرقت، أو أي شيء من أمارات الغضب التي رأيناها مع ظهور تلك الرسوم الدانمركية.

المشكلة أن ردود فعلنا الانفعالية كانت مغرية للدانمركيين بتكرار الإساءة، وقد فعلوا، إلا أننا لم نتعلم إلى الآن كيف نحافظ على رموزنا المقدسة لنحول دون المساس بها، كما أننا لم نتعلم كيف ندافع عنها إن مسّها من لا يعرف قيمتها ولا يقدرها حق قدرها. ليست لنا مخططات منهجية للرد على الإساءة من خلالها، كما أن تشتت الجهود وعدم توحد الرؤى، يجعلان العملية أكثر صعوبة وتعقيدًا مما هي عليه حقيقة.

رسولنا الكريم ليس في حاجة إلى كلامنا وأفعالنا، فالله عز وجل قد وصفه بما هو أهله، لكنه واجبنا تجاه الشخصية التي أهدتنا نورنا الذي نمشي به بين هؤلاء البشر المتخبطين، فهل أدى كل واحد منا واجبه؟

جامعة الإمارات

sunono@yahoo.com