تجري روسيا مفاوضات حول قبولها في منظمة التجارة العالمية منذ أكثر من 15 عاما، وواجهت في هذا الأمر مشاكل كثيرة من العديد من الجهات، ويمكن القول إن غالبية هذه المشاكل يغلب عليها الطابع السياسي أكثر من الاقتصادي.
ووصل الأمر داخل روسيا من الضيق والغضب إلى حد انقسام الرأي لفريقين، أحدهما يؤيد الانضمام لمنظمة التجارة العالمية، وآخر لا يرى جدوى من وراء الانضمام ويفضل البقاء خارج المنظمة.
وكلا الرأيين لهما مبرراتهما، وكانت كلما اقتربت روسيا من الانضمام تفاجأ بمشاكل من مصادر غير متوقعة، ومن دول صغيرة هنا وهناك ترفض توقيع اتفاق الانضمام مع روسيا.
والواقع أن الحكومة الروسية نفسها خلال الأعوام القليلة الماضية بدا عليها عدم الاهتمام بهذه القضية، وفي اعتقادنا أن الأمر في هذا يرجع إلى ضعف مكانة روسيا في التجارة الخارجية، حيث نلاحظ أن أهم الصادرات الخارجية لروسيا هي مصادر الطاقة الخام من نفط وغاز، يليها السلاح، ثم التكنولوجيا النووية، ولا يوجد شيء آخر هام.
وتشغل هذه المجالات الثلاثة تقريبا أكثر من 85% من تجارة روسيا الخارجية، وهذه المجالات الثلاثة (الطاقة والسلاح والنووي) لا تدخل ضمن بنود اتفاقيات التجارة الحرة، ولا تخضع لقواعد منظمة التجارة العالمية، الأمر الذي جعل البعض يتساءل «ما حاجة روسيا للانضمام لهذه المنظمة؟»، خاصة وأنها تواجه صعوبات كثيرة في الانضمام إليها.
وجاءت الأزمة المالية العالمية وما تبعها من تداعيات اقتصادية وتجارية خطيرة على المستوى العالمي، ومن المؤكد أن هذه الأزمة التي لا يعلم أحد حتى الآن مداها، سوف تحدث تغيرات جذرية في الأنظمة المالية والاقتصادية والتجارية العالمية، الأمر الذي يؤكد معه الكثير من المراقبين أن نظام منظمة التجارة العالمية سوف يتأثر بشكل كبير، خاصة وأن اقتصادات الدول الكبرى التي وضعت أسس وقواعد هذه المنظمة هي الأكثر تأثرا بالأزمة، والولايات المتحدة الأميركية الأكثر الدول ترويجا لاتفاقيات التجارة الحرة هي أكثر الدول تأثرا بالأزمة.
ويتوقع الكثيرون انهيار عملة الدولار التي كانت الولايات المتحدة تعتبرها مقياس التجارة العالمية، وبالتالي يعود السؤال: «هل هناك جدوى من الانضمام لمنظمة التجارة العالمية؟».
الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف صرح مؤخرا بأن روسيا تنوي الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية، وتعول على القيام بخطوات أكثر حزما في هذا الاتجاه في عام 2009. وقال ميدفيديف إنه لم يتغير أي شيء في موقف روسيا من مسألة الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية، مؤكدا أن روسيا ترغب بالمشاركة في منظمة التجارة العالمية، ولكن وفق شروط متكافئة ومناسبة، وليس على أساس شروط تمييزية أو مذلة.
الرئيس ميدفيديف اعترف علنا بأن عضوية منظمة التجارة العالمية من الممكن أن تضر روسيا، حيث قال «ندرك جيدا أن هذه العضوية ستخلق مشاكل معينة للتنمية الاقتصادية في روسيا، ولكننا نمضي قدما في هذا الاتجاه من أجل بناء علاقات متكافئة وكاملة ومثمرة مع جميع شركائنا». إذا المسألة على ما يبدو شبه مجاملة وطمأنة للشركاء الآخرين، بأن روسيا مثلهم وتخضع لما يخضعون له من قواعد وقوانين.
الآن يعود الحديث من جديد حول انضمام روسيا لمنظمة التجارة الحرة، ولكن في هذه المرة من جانب المفوضية الأوروبية، وعلى ما يبدو أن ظروف الأزمة المالية العالمية جعلت البعض في الغرب يتشكك في حماس روسيا للانضمام للمنظمة، ولهذا لاحظنا مؤخرا حماس المفوضية الأوروبية للإسراع بضم روسيا للمنظمة قبل نهاية العام الجاري 2009.
وذلك قبل أن تستفحل الأزمة المالية العالمية وتتراجع روسيا عن الانضمام للمنظمة، وتذهب بحثاً عن أشكال أخرى للتعاون التجاري والاقتصادي، في إطار إقليمي آخر داخل القارة الآسيوية مع الصين والهند والجمهوريات السوفييتية السابقة، الأمر الذي سيعرض الاقتصاد الغربي لأزمات أخرى أكبر.
كاتب روسي