أعلن خافيير سولانا، الممثل الأعلى للسياسة الخارجية الأوروبية الاتحادية، أنه سيغادر منصبه في أكتوبر المقبل، بعد أن عمل فيه لعقد بكامله.

بهذه الفترة الممتدة في مهمة واحدة، يكون سولانا قد سجل رقماً قياسياً بالنسبة للساسة الغربيين، الذين نادرا ما يبقون في وظيفة معينة واحدة لمدة مماثلة. وهذه ميزة تمنحه شهادة الاستحواذ على خبرة لا يرقى إليها كثير ممن قدر لهم الانغماس عملياً في الشؤون الأوروبية، وما يتصل بها من شواغل وقضايا على الصعيدين الداخلي والخارجي.. وإذا ما أضفنا إلى ذلك خبرته السابقة كمسؤول عن حلف «ناتو»، تأكدنا أننا بصدد رجل محنك أريب، لا ينبغي لدارس للعلاقات الدولية أن يهمل الاطلاع على مذكراته إذا ما دونها ذات حين.

هذه الملاحظة تعني المهتمين العرب أكثر من غيرهم. فلكثرة جولاته غُدوا ورواحا في العواصم الشرق أوسطية، وتردد اسمه بشكل دائم ضمن أخبار الصراع والتسوية على أرض فلسطين وجوارها، كدنا نعد سولانا من أهل المنطقة وساستها!..

لذا، نحن نعتبر أن هذا المسؤول يعرف الكثير عن مكنونات العواصم الأوروبية تجاه مجريات الصراع الإسرائيلي العربي والقضية الفلسطينية، وكذا تجاه العلاقات العربية الأوروبية وأحوالها. وبحق أمانة الكلمة وإنصاف تاريخه، نطالبه بأن يبوح ببعض ما يعرف عن هذه المكنونات.. وذلك بالطبع في حدود ما يمكنه البوح والمجاهرة به، بلا حرج يقع عليه أو ملامة يتعرض لها!.

علق سولانا على قراره بعدم الاستمرار في وظيفته قائلاً: «لقد حان وقت الرحيل.. وإنني أشعر بالرضى والاطمئنان».. لكننا نتصور أن هذا الشعور لن يكتمل حقاً وصدقاً لدى الرجل، إلا بعد أن يدلي بشهادته حول المسؤولين عن إهدار جهود التسوية الإسرائيلية العربية، التي أهلك هو نفسه الثمين من وقته وراحة باله في سبيلها.

هناك أسئلة لا حصر لها تراوح في الخاطر ولا يعرف إجابتها أحد مثل سولانا.. منها بلا حصر وبدون ترتيب: هل الأوروبيون جادون في مسعاهم لإقرار تسوية عادلة حقوقياً بين العرب وإسرائيل؟ هل هم مجرد عرابين للسياسة الأميركية؟ هل يودون بالفعل ممارسة دور خاص بهم وسياسة مستقلة لهم على صعيد التسوية؟ أم أنهم متذيلون حقاً لإملاءات واشنطن ويتولون ملء الفراغ السياسي والدبلوماسي في الأوقات التي تنشغل فيها واشنطن عن هذا الملف؟ هل لديهم قومياً أو اتحادياً شعور بالذنب أو بوخز الضمير تجاه ظلامة شعب فلسطين؟ أين مشكلتهم مع اجتراح سياسة اتحادية فلسطينية منصفة.. أهي في عدم الرغبة والإرادة أم في انعدام القدرة والإمكانية أم في كليهما؟ لماذا يراوحون بين الإقدام وإعلان المبادرات، وبين الإحجام واللاإرادية والحيرة عندما يطالبون بالتطبيق؟ متى تخلع أوروبا رداء السلبية تجاه ما يدور في جوارها جنوب المتوسط؟ وما المطلوب من العرب، في نظر سولانا المخضرم، كي يساعدوا جيرانهم في الشمال علي سياسة خارجية فاعلة، تقرن الأقوال بالأفعال في حدود الالتزام بالشرعية الدولية العربية والفلسطينية؟.

نعرف من السوابق أن لسان الساسة الغربيين ينطلق وضمائرهم تتحرك أكثر، بعد مغادرتهم لقيود المنصب. ونأمل أن يخضع سولانا لهذه القاعدة. وأملنا هذا لا يأتي من فراغ أو عن تخمين، إذ سبق له أن جاهر بعدم رضاه عن أداء قومه في ما يخص سياستهم ومدى حضورهم الاتحادي في القضايا الدولية الساخنة.

وغداة مؤتمر آنابوليس في خريف العام 2007، رفض سولانا التوجه القائل بانفراد الولايات المتحدة بملف التسوية بين الإسرائيليين والعرب، حتى إن كانت هذه هي رغبة الطرفين. وقد علل موقفه بأن «اللجنة الرباعية هي الحارس الأساسي لعملية التسوية، ويجب أن تظل كذلك، لا سيما أنها تقدم التحليلات والمعلومات، ومهمة كواجهة موازية للحوار مع لجنة تفعيل المبادرة العربية، وتمثل الرعاية العالمية للمفاوضات..».

سولانا جاهر برأيه هذا وهو قائم على رأس عمله، فكيف الحال به وبما يدخر في صدره حين يودع الوظيفة ومحدداتها الصارمة..؟ لا ريب في أن شهادته عندئذ لن تخلو من فائدة.

كاتب وأكاديمي فلسطيني

mohamedalazzar@hotmail.com