ذكرتني أحداث الفيضانات الأخيرة التي اجتاحت الصين وبنغلاديش، بحكاية لدى الأوروبيين تقول بأن طوفانا ضرب إحدى القرى في الولايات المتحدة الأميركية، وأدى إلى فيضان النهر حتى بلغ مستوى أصبحت فيه حياة السكان مهددة. فأمرت السلطات المحلية الأهالي بمغادرة المدينة فورا، ففروا جميعا، إلا امرأة واحدة ظلت ملازمة لبيتها المكون من طابقين.

وعندما وصل الماء إلى حلقها مر عليها قارب نجاة وصاحوا بها طالبين منها الصعود معهم، إلا أنها رفضت صيحاتهم قائلة: «أيها الكفرة، اغربوا عن وجهي، فإن الله وحده كفيل بإنقاذي». ثم ارتفع منسوب المياه في اليوم التالي حتى كادت تغرق فصعدت إلى الدور الثاني. وهنا أيضا مر عليها قارب نجاة ثان، وطلبوا منها الصعود فرفضت صائحة بهم: «اذهبوا أيها الزنادقة، فإن الله كفيل بإنقاذي». في اليوم الثالث ارتفع منسوب الفيضان أكثر فأكثر فصعدت إلى سقف البيت.

وهنا أيضا مر بها قارب نجاة ثالث طالبين منها الصعود وإلا فإنها ستغرق حتما، غير أنها رفضت صائحة بهم: «لا تقلقوا أيها الضعفاء، فإن الله وحده سوف ينقذني». غير أن المياه ارتفعت أكثر وغطت سطوح المنازل، فغرقت وماتت. وفي السماء استقبلها الرب فقالت معاتبة: «يا إلهي! كيف تركتني وأنا التي كنت في انتظار أن تنقذني؟» فرد عليها الرب: «لقد بعثت إليك ثلاثة قوارب لكي تنقذك إلا أنك كنت ترفضين في كل مرة!!».

هذه الحكاية تنطبق علينا أكثر مما تنطبق على تلك المرأة المغفلة. فهي كانت امرأة واحدة، أما نحن فيتجاوز عددنا المليار مسلم (بلا شر). وقد وهبنا الله من الخيرات والفرص (بلا حسد) ما لم يهبه لأي أمة أخرى في التاريخ.

ورغم الأراضي الشاسعة الممتدة من حدود الصين إلى حدود المغرب، ورغم الموارد الطبيعية التي لا تعد ولا تحصى، واليد البشرية التي لا عمل لها، والقوة الاقتصادية التي لا تنافس، إلا أنها أمة ما زالت تضيع من بين يديها عمدا كل الفرص التي يمكن أن تجعل منها إمبراطورية أفلاطون المثالية (وليست فقط جمهورية).

وللتذكير فقط، فإن آخر الفرص التي وصلت إلى باب بيوتنا، هي وصول رجل زنجي من أصل مسلم على رأس أعظم دولة في العالم، مد يده إلينا رغم كل الضغوط الدولية التي تمارس ضده وعلى الأمة الإسلامية ومن يقف معها. لقد استطاعت الولايات المتحدة عبر الزمن أن تجعل العالم يؤمن بهيمنتها، ويؤمن بما تؤمن به ويكفر بما تكفر به حتى ولو كانت جائرة.

وحيث أننا غير قادرين على استغلال قوتنا التي بين أيدينا، فعلى الأقل ـ إلى أن يحين عصرنا ـ أن نحاول جر تلك الدولة العظمى إلى صفوفنا. والطريقة المثلى لتحقيق ذلك، هي أن لا نعطيها الانطباع بأننا شعوب مستضعفة تطلب الشفقة والإحسان، وإنما أمة تطلب حليفا قويا ولا ترضى أدنى من ذلك.

ويبدو أيضا من الملامح الأولى لسياسة الرئيس الأميركي الجديد أنه صاحب رؤية سلمية مخالفة لمن سبقوه، وصاحب توجه أكثر عدلا، ومد يده إلى أكبر عدو له على سطح الكرة الأرضية: جمهورية إيران الإسلامية، وتوجه إلى تركيا، ويحاول الضغط على إسرائيل، ومستعد حتى للذهاب إلى سوريا! صحيح أنه لم ولن يتخلى عن الدفاع عن الحليف القديم لبلده، المتمثل في كيان إسرائيل، ولكن يبدو أنه أكثر رؤساء الولايات المتحدة الأميركية، بل والرؤساء الغربيين على الإطلاق، انفتاحا على العالم الإسلامي.

إن أوباما ليس بالرجل البسيط كما يقول عنه البعض، وإنه بالتأكيد يعلم حق العلم أن واحدة من أكبر المصائب التي ضربت الولايات المتحدة الأميركية، سواء في اقتصاد البلد (قضية النصاب برنارد مادوف وغيره) أو في السياسة الخارجية أو الداخلية (احتلال العراق)، يختبئ خلفها يهود قد فهموا كيف تغتنم الفرص، وبالتالي تحكموا في دفة البيت الأبيض والكونغرس والبنتاجون وغيرها من المؤسسات الأميركية الهامة.

بالطبع لا أحد توقع أن تأتي من أوباما المبادرة، مع ذلك بادر وأبدى وتقدم خطوة، ونحن وقفنا متفرجين غير مصدقين ومنقسمين. بعض المحللين السياسيين توقعوا أن يقوم وفد رفيع المستوى يمثل الدول الإسلامية، بزيارة الرئيس الأميركي الجديد في عقر داره ـ لا لتقديم الطاعة والولاء ـ بل لشرح موقف الأمة الإسلامية من برنامجه ومشاريعه السلمية، غير أنهم خاب ظنهم، وبقي المجال مفتوحا للوبي الصهيوني وأن يعاود أعماله.

إن الفرص والمقومات التي منحنا إياها الله تكفي لأن ترفعنا إلى مصاف الدول الكبرى، ولكن لم يوجد أبدا من ينتهز تلك الفرص.. وبعدها نلوم الرب على أنه لم يأت لإنقاذنا من الغرق، كما فعلت تلك المغفلة الأميركية عندما حاصرتها المياه.

فهل ننتظر الطوفان؟

جامعة الإمارات

dralaboodi@gmail.com