تباعاً، تتداعى المؤشرات التي ترسم ملامح المشهد السلامي الذي تعتزم الولايات المتحدة تحقيقه للصراع العربي ـ الإسرائيلي، والأثمان التي يترتب على أطراف كثيرة أن تتهيأ لدفعها كاستحقاقات تنتج معادلات جديدة في المنطقة.
إدارة الرئيس باراك أوباما، التي أبدت جدية واضحة، منذ أسابيعها الأولى إزاء أولوية معالجة ملف هذا الصراع المزمن، بتكليفها السيناتور المخضرم جورج ميتشل لمتابعته بدافع إبداع حل له، وليس آليات لإدارته، أخذت تعمل بهدوء لا تنقصه الحماسة إزاء استثمار الوقت، ولكن وفق خطة لا تقفز فوق الحقائق الصعبة التي تراكمت عبر عشرات السنين، ولم تتمكن الإدارة السابقة من تفكيكها.
الخطة الأميركية، أو لنقل الرؤية الأميركية، تقوم على قراءة معمقة للاحتياجات الضرورية لكل طرف من أطراف الصراع، بحيث يتوفر لكل طرف الحد الأدنى من الأهداف والتطلعات، مع الاحتفاظ لإسرائيل بحق الحصول على أقصى ما يمكن تحصيله من مكتسبات وضمانات وأهداف، انطلاقاً من كونها ستظل المحظية الأولى لدى الولايات المتحدة في المنطقة.
ثمة من يعتقد أن طبيعة المجتمع الإسرائيلي، وسياقه التاريخي، ونشأة كيانه، تجعله يتسم بالتشكك والخوف من الآخر، والقلق إزاء الحاضر والمستقبل، وبعدم الثقة في المعاهدات والوعود إلا بقدر ارتباطها بوقائع مادية ملموسة ومتينة، وبأن هذه السمات تجعل السياسة الإسرائيلية مترددة، ومحافظة إلى حد كبير.
هؤلاء يضيفون أن نجاح الرئيس المصري الراحل أنور السادات، يكمن في كونه أدرك هذه الحقيقة، وامتلك الجرأة والإرادة الحاسمة لكسر حاجز الخوف والقلق لدى الإسرائيليين، حين قرر في التاسع عشر من نوفمبر عام 1977، الإقلاع بطائرته إلى القدس، وإلقاء خطابه من على منبر الكنيست الإسرائيلي، الأمر الذي فتح الباب أمام استرداد كل الأراضي المصرية المحتلة.
ويبدو أن إدارة أوباما تدرك مدى أولوية الأمن بالنسبة لإسرائيل، وأحياناً يدعي أوباما وبعض مستشاريه أنهم أكثر تفهماً لحاجات إسرائيل الأمنية، وأشد حرصاً على مصالحها وتطلعاتها وعلى ضرورة تحقيق هذه المصالح والتطلعات.
على سطح الأحداث، والكلمات التي صدرت والتعليقات، يبدو وكأن الإدارة الأميركية في حالة تعارض وتوتر مع السياسة الإسرائيلية، عبر مواصلة تمسكها الحازم بضرورة وقف كل أشكال الاستيطان، ويرتاح الكثيرون من الفلسطينيين والعرب حين يسمعون كلاماً من الرئيس الأميركي وهو يقول «إن الضغط على الفلسطينيين خلال السنوات الثماني السابقة من أجل الحصول على مزيد من التنازلات، لم يجد نفعاً».
وتزداد المؤشرات التي تخلق مثل هذه الانطباعات المريحة، حين يصدر عن المنسق الأعلى للسياسة الأوروبية خافيير سولانا، ما يفيد طلبه من مجلس الأمن الدولي الاعتراف بالدولة الفلسطينية ووضع جدول زمني للمفاوضات، أو حين يصدر في تقرير منظمة العفو الدولية، ما يفيد اتهام إسرائيل بارتكاب جرائم حرب في قطاع غزة، من حيث إن ذلك يعكس رسالة تنطوي على شيء من التهديد لإسرائيل بتفعيل وتسييس مثل هذه الشهادات، في حال واصلت عنادها وتمسكها بموقفها من الاستيطان.
في الواقع، فإن الاستعجال الأميركي ـ الأوروبي لبدء مفاوضات قد لا تستغرق وقتاً طويلاً، حتى تصل إلى اتفاق ينجم عنه تحقيق رؤية الدولتين، هذا الاستعجال مقترن بحركة مكثفة، هادئة، وبتوزيع للأدوار يستهدف تحضير ميدان التفاوض وأطرافه، وإنضاج تفاصيل الاتفاق قبل أن تبدأ المفاوضات. هذا يعني أن المفاوضات قد بدأت بالفعل بين الإدارة الأميركية والأطراف كل على حدة، سواء الأطراف ذات الصلة المباشرة بالصراع (إسرائيل، الفلسطينيون، سوريا، لبنان)، أو غير المباشرة (العرب، أوروبا، روسيا، الأمم المتحدة).
التحضيرات تشمل الآتي: أولاً، على إسرائيل أن توقف خلال ستة أشهر الأعمال الاستيطانية، وفق ما صرح به وزير الخارجية الفرنسية كوشنير، الذي قال إن الإدارة الأميركية أعطت إسرائيل مثل هذه المهلة.
خلال هذه الفترة التي تمتد حتى نهاية العام تقريباً، يترتب على إسرائيل أن تسوي أمور الاستيطان، بما قد يشمل تنفيذ ما تعتزم القيام به من بناء لمعالجة بعض المشاكل، من نوع استيعاب المستوطنين الذين سيتم إخلاؤهم من البؤر الاستيطانية، واستيعاب ردود الفعل المتوقعة من قبل المستوطنين ومنظماتهم المتطرفة.
مقابل ذلك، تبدأ الدول العربية باتخاذ خطوات متدرجة لتطبيع علاقاتها مع إسرائيل، كثمن لوقف الاستيطان، وكضمانة كان نتنياهو قد طلبها من العرب في تصريح علني. التطبيع يفترض أن لا يتوقف على الدول العربية، وإنما ينبغي أن يشمل لاحقاً دولاً إسلامية.
في إطار التحضيرات تندرج القرارات الإسرائيلية التي تسعى لتحصين قضية الجولان، ولتغيير الأسماء العربية للأماكن والمدن والشوارع في إسرائيل، وما كان الكنيست قد أقره في وقت سابق بشأن قسم الولاء للدولة، المطروح على العرب المتمسكين بأرضهم في إسرائيل.
ثانياً، على الجانب الفلسطيني والعربي، تتقدمهم مصر، تحضير الساحة الفلسطينية المنقسمة، عبر تحقيق اتفاق يتم بموجبه استدراج حركة حماس إلى جانب فتح في إطار العملية السياسية، وتساعدها في ذلك الولايات المتحدة وأوروبا عبر فتح قنوات اتصال، وتقديم وعود لحركة حماس.
الفلسطينيون مطلوب منهم أن يتفهموا، وأن يستعدوا لإسقاط حق العودة، وأن يتواطأوا أو يتعاونوا لتشجيع الدول العربية على تطبيع علاقاتها بإسرائيل، فضلاً عن تكييف أوضاعهم الداخلية والأمنية بما يستجيب لمتطلبات الأمن الإسرائيلي.
وإذا كان من اليسير التعامل مع ما تبقى من أراض لبنانية محتلة، فإن قضية الجولان قد تتم معالجتها بناء على ما يعرف «بوديعة رابين».
كاتب فلسطيني
