بدأت التهديدات الأميركية للحكومة السورية منذ عام 2005، وهو عام اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، وزاد الغرب الأميركي بقيادة الرئيس بوش والأوروبي بقيادة الرئيس شيراك مطالبهما من سوريا، فكان بعض هذه المطالب معلناً وخاصة ما يتعلق بلبنان، وبعضها الآخر وهو الأهم كان مضمراً كتلك المتعلقة بمناهضة الحكومة السورية للاحتلال الأميركي للعراق، أو المتعلقة بالمنظمات الفلسطينية.
والأهم من هذا كله مناوأة الغرب الأميركي والأوروبي للتعاون السوري ـ الإيراني، الذي يعتبره محوراً، أو شبه محور، معادياً للسياسة الأميركية في الشرق الأوسط الكبير أو الجديد أو ما يشبههما.
لقد كان اغتيال الحريري المبرر المباشر والمعلن الذي استغلته إدارة الرئيس بوش لتسحب سفيرها من سوريا، وتبدأ فرض سلسلة من العقوبات الاقتصادية عليها، وتضغط على مجلس الأمن لاتخاذ قرارات هدفها مضايقة سوريا، ولتطالبها بسحب قواتها العسكرية من لبنان، وتحرض شرائح واسعة من التيارات السياسية اللبنانية لتعمل ضدها وتهاجمها.
أما الأسباب المخفية الأخرى فقد كانت غير لبنانية، ومنها اتهام سوريا بتشجيع المقاومة العراقية ودعمها، والسماح بدخول المساعدات إليها، وغض النظر عن تسرب المقاتلين إلى العراق، وكانت أعباء الإدارة الأميركية في العراق، العسكرية والسياسية وغيرها، في ذلك الوقت، تأخذ الحيز الأول من اهتمامات هذه الإدارة، ويقع حلها في رأس سلم الأولويات.
وفي الوقت نفسه لم تستطع الإدارة الأميركية كبح النفوذ الإيراني، لا في العراق ولا في لبنان ولا في فلسطين، ورأت أن التعاون السوري مع إيران يسهل للسياسة الإيرانية التواجد في هذه البلدان جميعها، سواء بحكم الموقع الجغرافي السوري أم بحكم التواصل مع هذه الفئات المتحالفة مع إيران.
ولعل هذه كلها، إضافة لعلاقة سوريا مع المنظمات الفلسطينية وحزب الله، كانت هي الأسباب الأساسية التي دعت الولايات المتحدة لصب جام غضبها على سوريا، وتهديدها ومحاصرتها وتحريض حلفائها الأوروبيين ضدها، وأخيراً فرض العقوبات الاقتصادية والسياسية عليها.
وقد اتخذ معظم الأوروبيين الموقف الأميركي نفسه، فقننوا زيارة مسؤوليهم لسوريا والتواصل معها، وأجلوا إدخالها في الشراكة الأوروبية والمتوسطية. وفي الخلاصة تردت العلاقات الدبلوماسية والسياسية والاقتصادية والثقافية وغيرها، بين بلدان أوروبا والولايات المتحدة من جهة، وبين سوريا من جهة ثانية، حتى كادت تصل إلى أدنى المستويات.
قلب الرئيس نيكولا ساركوزي الأمور رأساً على عقب فيما يتعلق بالتعامل مع سوريا، منذ مجيئه رئيساً لفرنسا قبل سنتين، وأقنع الأميركيين والأوروبيين أن سياسة الحوار والتواصل والنقاش معها ستحقق الأهداف المطلوبة بأفضل مما لا يقاس من سياسة الضغوط والعقوبات، وتابع ساركوزي رهانه، ففتح نافذة مع سوريا ثم باباً ثم حواراً متعدد الجوانب، توصل إلى إقناع سوريا بسلوك سياسة جديدة في لبنان، فوافقت على تسوية لانتخاب رئيس الجمهورية .
وتشكيل حكومة تتشارك فيها الأكثرية والأقلية، وتبادلت التمثيل الدبلوماسي مع لبنان لأول مرة في تاريخ البلدين، وقبلت البدء بترسيم الحدود، ووعدت بعدم التدخل في مجريات الانتخابات اللبنانية، وأكدت للفرنسيين أن سياستها ستكون عامل تهدئة في لبنان.
وكانت السياسة الفرنسية سعيدة بنجاح رهانها، واندفع السياسيون الأوروبيون لزيارة دمشق، فزادت هذه من اعتدالها، ومنعت دخول المسلحين إلى العراق وعينت سفيراً فيه واتجهت لإقامة علاقات طيبة مع حكومته.
وفي الوقت نفسه دفعت حزب الله في لبنان وحماس في فلسطين إلى الاعتدال، وبدأت مفاوضات غير مباشرة مع إسرائيل برعاية تركية، وسدت الذرائع التي كانت الإدارة الأميركية وبعض الصقور الأوروبيين يتذرعون بها.
وما إن بدأ الرئيس أوباما ولايته واستلم الديمقراطيون الحكم، حتى بدأت الوفود السياسية الأميركية تزور سوريا، فزارتها رئيسة مجلس النواب، ونواب وشيوخ منهم رئيس لجنة العلاقات الخارجية جون كيري، ثم أرسلت الإدارة الجديدة موظفين كباراً في وزارة الخارجية (منهم مساعد وزيرة الخارجية) لزيارة سوريا.
واستؤنف التواصل بين البلدين، ثم أعلنت الإدارة الأميركية أنها سترسل سفيراً لدمشق قريباً، ودعا الرئيس الأسد وزوجته، بواسطة وسائل الإعلام، الرئيس أوباما وزوجته لزيارة سوريا، فرد الرئيس أوباما في الأسبوع الماضي بأنه يرغب في هذه الزيارة، ولكنه عبر عن عدم ثقته بأن سوريا حققت ما تتمناه إدارته منها، وطالبها بالمزيد.
كان وزير الخارجية الفرنسي كوشنير يزور دمشق عند إعلان الرئيس الأميركي رغبته في زيارة سوريا، فرحب بهذه الرغبة وقال إن فرنسا ستبذل جهوداً كي ينفذ الرئيس الأميركي وعده بالزيارة.
كما ستعمل لرفع العقوبات الاقتصادية الأميركية المفروضة على سوريا، وأكد في التصريحات نفسها أن سوريا وفرنسا استعادتا الثقة بينهما، بينما قال وزير الخارجية السوري وليد المعلم إن إفصاح الرئيس أوباما عن رغبته في زيارة سورية هو أمر مشجع.
ليس من المبالغة الاستنتاج أن العلاقات السورية ـ الأميركية على أبواب مرحلة تحول بنيوية، وأن العلاقات السورية ـ الأوروبية عادت طبيعية، ولذلك من المنتظر أن تكون السياسة السورية أكثر اعتدالاً بعد الآن، في ما يتعلق بلبنان وفلسطين والعراق وإيران، مما يصعب معه على الإدارة الأميركية أو على المتطرفين الأوروبيين القول إنها سياسة ممانعة أو متطرفة أو على الأقل غير معتدلة.
كاتب سوري
