عاد البرنامج النووي الإيراني، في الأيام الأخيرة، إلى صدارة الأحداث في ثلاث مناسبات، الأولى في تصريح نائب الرئيس الأميركي جوزيف بايدن، في تعليقه على التحركات العسكرية الإسرائيلية بالقول «إن الولايات المتحدة لن تقف عائقاً أمام هجوم عسكري إسرائيلي ضد إيران»، فسره بعض الأوساط على أنه ضوء أخضر أميركي لشن هجوم على المنشآت النووية الإيرانية.
سارع بايدن، في اليوم التالي، إلى إعادة صياغة تصريحه أمام شبكة أي بي سي الإخبارية قائلاً «إن مهاجمة إيران ليست بالعمل الحكيم، إلا أن لإسرائيل ما تقرره لمصلحتها، سواء كان ذلك يتعلق بالموقف من إيران أو من غيرها، فهي بلد مستقل له سيادته».
وهذا التأكيد على سيادة القرار الإسرائيلي، في الحقيقة، أمر هام تحاول الولايات المتحدة التأكيد عليه لتبرئة نفسها، تحسباً من تداعيات قد تنال مصالحها من جراء عمل ربما تقدم عليه إسرائيل.
الخارجية الأميركية سارعت إلى وضع تصريحات بايدن في إطار يخدم أهدافها، فأعلنت أن هذه التصريحات لا تشجع إسرائيل على القيام بأي عمل عسكري ضد إيران، وأن الولايات المتحدة لا تزال متمسكة بموقفها في إجراء حوار مع إيران بشأن برنامجها النووي. وهذا ما أكده الرئيس أوباما أثناء زيارته إلى موسكو، نافياً أن تكون الولايات المتحدة قد أعطت الضوء الأخضر لإسرائيل.
لم تقتصر هذه المقاربات على السياسيين وحدهم، فقد عقب رئيس هيئة أركان الجيوش الأميركية الأدميرال مايكل مولن، على تصريحات الرئيس أوباما بالقول إن «مهاجمة إيران ستكون لها عواقب وخيمة جداً من غير الممكن التنبؤ بها».
ويأتي هذا التركيز من جانب الولايات المتحدة على الموقف الإسرائيلي لسببين: أولهما فشل التقارب في وجهات النظر بين واشنطن وتل أبيب حول الملف النووي الإيراني، حيث لم تخف الأخيرة استياءها من توجه إدارة الرئيس الأميركي لفتح حوار مع طهران بهذا الشأن، وثانيهما وصول الاستعدادات الهجومية الإسرائيلية إلى مرحلة متقدمة.
إسرائيل ترى أن البرنامج النووي الإيراني هو أكبر تهديد استراتيجي لوجودها، وهي ترى أن أمنها ينبغي أن يكون نابعاً من رؤيتها ومدعوماً بإجراءاتها، ومن هذا المنطلق لن تستمر في البقاء تحت مظلة الولايات المتحدة التي بدأت تنتهج سياسات تثير الشكوك لديها.
طهران سارعت إلى الرد على تصريحات بايدن، على لسان علي لاريجاني رئيس مجلس الشورى الإيراني الذي حمل الولايات المتحدة مسؤولية أي هجوم تتعرض له بلاده، مؤكداً على أن إسرائيل لا يمكن أن تقدم على عمل بهذا الحجم دون مباركة أميركية، في إشارة إلى أن رد الفعل الإيراني لن يستثني المصالح الأميركية في المنطقة أو في سواها.
أما إسرائيل فقد التزمت الصمت وحرصت على التصعيد في موقفها التعبوي، وذلك بعبور إحدى غواصاتها من البحر الأبيض المتوسط إلى البحر الأحمر، في إشارة إلى أن الطريق سالك لا يعيقه أحد، ليس فقط أمام أسطولها الجوي وإنما أمام قطعاتها البحرية، للوصول إلى مواقع قريبة من البر الإيراني، وكان اختيارها للغواصة دولفن المتطورة، ذا معنى خاص، فهذه الغواصة تستطيع حمل رؤوس نووية.
في المناسبة الثانية، حرصت الولايات المتحدة على التركيز على أهمية التصدي للبرنامج النووي الإيراني، في لقاء القمة بين الرئيسين الأميركي والروسي في موسكو. فقد عرض الرئيس الأميركي على روسيا التخلي عن الدرع الصاروخية المضادة للصواريخ المزمع نشرها في جمهوريتي بولندا وتشيكيا، مقابل تعاون الروس في إرغام طهران على التخلي عن برنامجها النووي. فقد أعرب الرئيس أوباما عن أن هذه الدرع لن تكون لها ضرورة في حالة تحييد البرنامج النووي الإيراني.
الحقيقة أن الموقف من البرنامج النووي الإيراني يشكل إحدى النقاط الخلافية بين واشنطن وموسكو، فروسيا، من جانبها، لا ترى ما يدل على أن إيران بصدد تحويل البرنامج النووي الذي طالما وصفته بأنه لأغراض سلمية، إلى برنامج لإنتاج الرؤوس الحربية النووية.
وقد حرصت موسكو على النأي بنفسها عن الخوض في الشأن الداخلي الإيراني، فلم يتأثر موقفها من طهران بالأحداث التي أعقبت إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية الإيرانية.
ولم تكتف بذلك، بل خطت، إبان الأزمة، خطوة أخرى نحو تمتين العلاقات مع طهران حين حضر الرئيس الإيراني أحمدي نجاد، كمراقب، قمة شنغهاي التي يزداد ثقلها السياسي والاقتصادي في جنوب شرق آسيا ووسطها.
أما المناسبة الثالثة والأخيرة، فكانت في لقاء قمة الدول الثماني المتطورة صناعياً الذي عقد في لاكويلا (إيطاليا)، حيث لوحظ تصاعد الحدة في لهجة الرئيس الأميركي اتجاه إيران، محذراً إياها بأن المجتمع الدولي لن ينتظر طويلاً ردها. وقد حرص المجتمعون على تضمين موقفهم من الملف النووي الإيراني في البيان الختامي للقمة، واضعين سقفاً زمنياً كي توقف إيران برنامج تخصيب اليورانيوم، وهو سبتمبر المقبل.
المسارات السياسية تنبئ بأحداث جسيمة قادمة، إذ يبدو أن الصدام مع إيران قد أصبح أقرب من أي وقت مضى. فقد فشلت الإدارة الأميركية في إقناع روسيا بتغيير موقفها اللين من إيران والموافقة على فرض عقوبات صارمة بحقها، وفشلت كذلك في احتواء إسرائيل وضمان تبعيتها للاستراتيجية الأميركية اتجاه طهران، كما فشلت في إيصال رسالتها إلى إيران بعدم مسؤوليتها اتجاه أي عمل معادٍ قد تقدم عليه إسرائيل.
كما أن استراتيجيتها الدبلوماسية اتجاه طهران بدأت تواجه صعوبات كبيرة، قبل أن تبدأ، خاصة وأن إجراء محادثات مع إيران قد أصبح أكثر صعوبة عن ذي قبل، بعد الانتخابات الرئاسية الإيرانية، بفعل موقف الدول الغربية الحليفة للولايات المتحدة، وهو ما اعتبرته طهران تدخلاً في شأنها الداخلي.
سنوات مرت لم تخل فيها الأجواء من التهديدات المتبادلة، لم تثن إيران عن المضي قدماً في برنامجها النووي، وليس من المتوقع أن تتراجع الآن وتتقبل تفكيك هذا البرنامج، فليس هناك من جديد يرغمها على ذلك. فهل اقتربنا من رؤية هذه التهديدات تترجم إلى أفعال مُدوية تهز المنطقة برمتها؟ أم لا يزال هناك متسع لتحرك سلمي؟
أبرز ما كشفته السجالات الأخيرة هو ضعف الإدارة الأميركية، والتناقض في الأهداف التي تمخضت عن تصريحات كبار المسؤولين فيها. فتصريحات بايدن قد تشجع على اصطفاف كافة الإيرانيين، وضمنهم من وقف ضد الرئيس نجاد، للدفاع عن أبرز ما يتوحدون حوله، البرنامج النووي، وهو ما لا يرغب فيه الرئيس أوباما.
كاتب عراقي