لا أظن أن العلم يستطيع أن يصل إلى خفايا النفس البشرية، أو أن يحيط بما يدور في خباياها علمًا. إننا نجهل أنفسنا، ونعجز عن فهم ما يدور في دواخلنا، وقد يضطر بعضنا للذهاب إلى استشاري نفسي كي يساعده على الغوص في أعماقه، وفهم نفسه أكثر، وربما لا يطلب منه أكثر من مجرد فهم أولي.. آملا في أن يتمكن ذات يوم من فهمها فهمًا أكثر وأعمق وأكمل..

نضيع أحيانًا ونحن نمشي من موضع لموضع في هذه النفس في سعينا الدؤوب نحو فهمها، ويبدو الأمر عصيًا، صعب المنال على كثيرين منا، فيتركون أمرها لخالقها، ويعيشون كما شاء لهم الحظ أن يعيشوا، بعيدًا عن دوار قد تسببه لهم هذه النفس المنيعة.

أين يبدأ سؤال البحث عن حقيقتها؟ وأين يصل؟ وإلى أين ينتهي؟ لا أحد يعلم، فكم من مرة حاول أحدنا أن يبدأ هذه الرحلة مع نفسه، فيجد نفسه في طريق لا يعرف كيف بدأها، ومتى، وكيف وصل فيها إلى الموضع الذي وصله؟ هذه حالة، وغيرها أحوال.

هذا الذي يعجز عن فهم نفسه، كيف له أن يدّعي فهم الآخرين! كيف له أن يعرف ماذا أرادوا، وماذا قصدوا، وما الذي كان وراء كلامهم ذاك، أو ما الذي يريدون أن يصلوا إليه من فعلهم هذا، وغير ذلك!! إننا أعجز من أن نستطيع الاقتراب من تخوم أنفسنا، فكيف نزعم أن باستطاعتنا أن نقترب من تخوم غيرنا؟

فشلنا الذي لا نستطيع أن نقرّ به، هو الذي يتسبب في إقحامنا في مآزق يصعب علينا الخروج منها بسلام نفسي. هذا ما يمكن أن يُمثَّل عليه بسوء الفهم. إنه من أكثر الآفات الاجتماعية التي تقضي على علاقات جميلة، إما أن تُشوَّه، أو أن يُقضى عليها، نتيجة سوء فهم كان الأولى أن يزول، بدلا من أن تزول تلك العلاقات، أو يزول عنها جمالها.

وسوء الفهم أمر وارد، بين الأشخاص القريبين جدًا من بعضهم، تمامًا كما هو وارد بشكل طبيعي بين الأشخاص الذين لا يعرفون بعضهم إلا معرفة بسيطة، أو ربما يلتقون للمرة الأولى.

الغريب هو أننا قد نجد مبررات لما قد ينشأ من سوء فهم بيننا وبين أولئك الغرباء الذين لا يهموننا كثيرًا، لكننا لا نستطيع أن نجد مبررات مثلها لصديق أو أخ أو قريب! إننا نعجز أحيانًا عن أن نخلق له عذرًا، أو نلتمسه له كما قال عليه الصلاة والسلام، وربما لا نريد أن نفعل ذلك، كأننا نريد أن نضعهم موضع اللوم، أو موضع العقاب، دون أن نشعر أننا إنما نعاقب أنفسنا بذلك!

قد يكون القرب النفسي سببًا في تهويل موضوع بسيط، بل إنه يكون تافهًا في أحيان كثيرة، لأن كل شخص يظن أن مثل هذه الكلمة ـ أو مثل هذا السلوك ـ لا يجب أن يصدر عن هذا الشخص.

وقد توجد أسباب خارجية تحوّل سوء فهم بسيط، من الممكن أن يُحلّ دون كثير كلام وأخذ ورد وجهد، إلى مشكلة معقدة، لا سبيل لحلها. إننا دائمًا محاطون بمن يمتلكون هذه الموهبة الخارقة، التي تجعل من «الحبة قبة». كما أن كثيرين منا يعرفون كيف يجدون لهم مواضيع للكلام والحكي، خصوصا في أيام الإجازات، حيث يصبح الكلام سيد كل الأوقات.

ومن جهة أخرى، فإننا محملون بما يكفي من سوء ظن كي نحوّل كلمة بسيطة، أو فعلا لا يكاد يُذكر، إلى إهانة أو سب أو تجريح، أو غير ذلك من مفردات تجد لنفسها مخرجًا عبر ألسنة تقول.. دون عقول تفكر.. هذه مهارة يمتلكها كثيرون منا أيضًا.

إننا نعجز عن فهم أنفسنا أحيانًا، وقد يُفاجأ أحدنا بنفسه وقد قال شيئًا، ثم إذا سئل عن تفسير ذلك أعياه الجواب، لأنه حين قاله لم يشعر بنفسه، أو أنه لا يذكر كيف قاله، ولماذا، أو أنه قاله وكان يقصد به شيئًا آخر، فإذا به يتحول إلى شيء مختلف عما قصده، وضاع ما قصده في ذهنه كما ضاع في آذان وأذهان سامعيه قبل أن يصلهم.

هذه أمور تحدث، والمشكلة أنها تحدث لنا جميعًا، لكننا لا نفكر في أننا قد نكون في ذلك الموضع حين ننظر إلى الوجه السلبي لكلمة أو تعليق يطرق أسماعنا من أحد الأشخاص القريبين جدا منا، الذين نعرف أنهم لن يقصدوا الإساءة عمدًا، فإن جاءت الإساءة منهم دون قصد فليس أفضل من هذه الفرصة لممارسة فضيلتي العفو، والتسامح.

توقُفنا عند الوجه السلبي، وإهمالنا الوجه الإيجابي للكلمة ذاتها، له دلالته التي لا يجب أن نغفلها أيضًا. إننا لسنا أقل سوءًا من الآخرين، لكن من منّا يعرف ذلك؟! وكم عدد الذين يعرفون ذلك منا ويقرّون بما يعرفون عن أنفسهم من سوء؟ وأخيرًا، كم واحد منّا طالب نفسه بما يطالب به غيره، وأول ذلك أن يعامل الآخرين كما يحب أن يعاملوه؟

لو حرص كل واحد منا على أن يعامل الآخرين كما يحب أن يعاملوه، لسادت كل الفضائل على وجه البسيطة، ولارتاح جميع الخلق.. إنه مطلبنا جميعًا، لكننا كلنا أفواه مفتوحة بالمطالبة، دون أن نفعل ما نطالب الآخرين به. ولو حرص كل واحد منا على معرفة نفسه أولا، قبل أن ينبري لتحليل أقوال الآخرين وتفسير أفعالهم، لكنا نعيش الآن خير حياة، وأكثرها راحة نفسية.

جامعة الإمارات

sunono@yahoo.com