مثلها مثل غيرها، تعاني روسيا من الأزمة المالية العالمية، وليس صحيحا ما يقال من أنها أقل معاناة من الكثيرين. فالأزمة عادة تضرب الاقتصاديات الكبيرة والنشطة قبل أن تضرب الاقتصاديات الضعيفة والمتخلفة، وقد وجهت الأزمة ضربة شديدة جدا إلى قطاع الإنتاج الحقيقي في روسيا وأوروبا والولايات المتحدة، حيث تأذت هذه الفروع أكثر من غيرها، وحاليا تفكر كافة الحكومات في موضوع طرح طرق لدعمها.
روسيا تفهم تلك القرارات التي تتخذها الحكومة الأمريكية لدعم منتجيها، ولا شك أن الحكومة الروسية تتخذ قرارات مماثلة تجاه بعض الشركات الروسية، مثل الشركات المنتجة للسيارات.
قد يكون حجم مصائب الشركات الروسية أقل من نظيرتها الأمريكية والأوروبية، ولكن القرارات المتخذة هي نفسها: الإقراض وتقديم أموال إضافية تقدر بمليارات الدولارات. يعني ذلك أن الاقتصاد يمر في مرحلة صعبة جدا.
وإذا رغبنا في التحدث عن عواقب الأزمة لكان هذا الموضوع بالذات بيت القصيد. علينا أن ندرك جميعا ما يعنيه مصطلح قاع الأزمة، هذا ما نتحدث عنه ونفكر فيه الآن في روسيا، أين يقع ذلك القاع وهل وصلنا إليه أم لا؟ هذا السؤال الأول. السؤال الثاني: كيف سنتجاوز الأزمة وما هي منافذ حل القضية؟ هناك العديد من الصيغ والطرق المطروحة حول كيفية الخروج من الأزمة، وهناك عدة سيناريوهات.
يعد السيناريو الأول أكثر ملاءمة، وهو الخروج من الأزمة على شكل حرف «ض» الذي يمثل تدهورا يليه تسلق حاد. يعتبر السيناريو الثاني أكثر تعقيدا، وهو عندما يمكن تصوير الخروج من الأزمة على شكل حرف «ج» الذي يمثل التدهور الذي يليه خروج بطيء جدا من الأزمة. وأخيرا السيناريو الأكثر سوءا حينما ستتطور الأزمة على شكل حرف «ط»، حيث سينخفض الإنتاج ثم يزداد، ثم يتراجع وينخفض من جديد. ولذلك فإن تحديد الاستراتيجية التي سنتبعها مسألة حيوية جدا.
نحن الآن مثل غيرنا نتخذ قرارات بدعم منشآتنا الإنتاجية الوطنية. وهذه القرارات صحيحة وواجبة، ولكن علينا أن ننظر إلى ما سيحدث فيما بعد. لنقل إن الحكومة الأمريكية ستؤمم «جنرال موتورز». وما العمل بعد ذلك؟
هل يجب الاحتفاظ بحزمة الأسهم هذه في ملكية الدولة؟ وهذا على ما يبدو لا يتجاوب مع مبادئ اقتصاد السوق التي تشكلت في أمريكا في القرن العشرين. أم تبيعها؟ وإذا باعت فلمن؟ من المشتري؟ لاسيما أنها تمثل مسؤولية اجتماعية هائلة، بسبب حجم الإنتاج وأعداد العاملين إضافة إلى الديون الباهظة، وذلك بغض النظر عن أن حكومة الولايات المتحدة تدعم هذه الشركة.
توجد مثل هذه المشكلات في بلدان أخرى، مثل شركة أوبل التي وقعت في موقف حرج حقا، واتخذ قرار بيع حزمة أسهم هذه الشركة إلى الكونسورتيوم المعروف الذي تشترك فيه هيئات روسية إلى جانب شركة ماغنا.
يمكن اعتبار ذلك مخرجا، ولكن من الضروري تخيل الصورة التي ستتشكل في الاقتصاد المستقبلي، وقبل كل شيء يتعلق هذا الكلام بالاقتصاد الحقيقي لأنه تأثر أكثر من غيره.
نحن في روسيا نتخذ إجراءات لمساعدة قطاعنا الوطني لإنتاج السيارات وقطاعنا الخاص بالتعدين، لأجل حماية ما نطلق عليه الأصول الاستراتيجية، علما بأنه لا يمكن أحيانا اعتبار تلك القرارات مطابقة لمبادئ السوق. ويضطر الجميع الآن إلى مثل هذه التصرفات، حتى في أكبر الدول الرأسمالية وعلى رأسها الولايات المتحدة ألأمريكية.
المشكلة في القروض الحكومية لهذه الشركات أن سعر الفائدة الآن عال جدا بسبب التضخم، لكننا نقدم قروضا ميسرة للشركات الكبرى التي يطلق عليها «الشركات المكونة للمدن»، والتي يعمل فيها عدد كبير من المواطنين المحليين، والأمر يتطلب أن نقدم قروضا بدون فوائد على الإطلاق لدعم هذه الشركات.
إنها لا شك أمور ليست عادية ولا بسيطة، ولكنها ضرورية في مثل هذه الأزمة. لا بد وأن يتغير النظام الاقتصادي العالمي بعد هذه الأزمة بصورة جلية، ونود أن يكون الخروج منها سريعا، وعلى شكل حرف «ض».
خبيرة اقتصادية روسية