رصدت مصادر توصف بأنها حسنة الإطلاع، وصول أكثر من مئة دبابة وعربة مصفحة إلى ما يعرف بالجيش الشعبي لتحرير جنوب السودان. قيل بهذا الخصوص إنها دبابات من طراز ش-27 الحديثة؛ مشتراه من أوكرانيا، وقد تم نشرها حول مدينة جوبا.

الحديث هنا يتعلق بقوة كبيرة الحجم، شديدة التأثير على موازين القوى بين شمال السودان وجنوبه. ومن المؤكد أن خطوة كهذه سوف تفعل فعلها في تعزيز مواقف الجنوبيين ضمن العلاقة القلقة مع الخرطوم. وتحسباً من رد فعل غاضب لحكومة عمر البشير، نفى مسؤول جنوبي أن تكون هذه الخطوة التسليحية الفارقة، أحد مظاهر الاستعداد لاستئناف المواجهة مع الشمال، وإنما هي حسب قوله دليل على الرغبة في «تحويل قوات الجنوب من مجموعات ثوار إلى جيش تقليدي»..

مثل هذا التبرير يزيد الطين بلة، إذ ليس من دأب حكومات الأقاليم، حتى في الدول الفيدرالية المكونة من ولايات، أن تكون لها «جيوشها الخاصة»، بمعزل عن إرادة الحكومة المركزية. وأقصى ما تطمع فيه هذه الحكومات هو الإشراف على وحدات للأمن الداخلي، لا «جيوش تقليدية» أو غير تقليدية.

يحق للغيورين على استقرار السودان وأمنه الأهلي استشعار الخوف مما يدبر للاتفاق الهش بين الشمال والجنوب، لاسيما وأن الأوضاع في هذا البلد لا ينقصها إحياء مزيد من الفتن، في ضوء التوتر المتفاعل ولا تبدو له نهاية قريبة في دارفور غرباً.

على أن الجدل بشأن النيات المبيتة من وراء مراكمة عناصر القوة العسكرية في جعبة جنوبي السودان، لا ينبغي له أن يطغى على سؤال جوهري آخر، يتعلق بمصدر تمويل هذه العملية وغيرها من عمليات التجييش، وما يرتبط بها ويتبعها من إعداد وتدريب وتجنيد للأفراد وتفريغ لهم؟

وفي تقديرنا أن مثل هذا السؤال يحظى بالأهمية والمشروعية بالنسبة لساحات أخرى تشهد تفاعلات مشابهة، مع خلاف في بعض التفصيلات، كالساحة الصومالية واليمنية والجزائرية، ونقاط ساخنة أهلياً في أفريقيا وجنوب آسيا. فجنوب السودان وغربه والصومال برمته، ومعظم المواقع التي ينشط فيها مسلحون بالآلاف، من أكثر المناطق فقراً.. فمن أين لهؤلاء بما يُعيلهم ويسلحهم ويوفر لهم مستلزمات القتال، من آليات الاتصال إلى المدافع والدبابات وذخائرها؟

كيف نفهم منطقياً شكوى أناس هذه الأقاليم من الافتقار إلى ما يقيم أودهم واستنجادهم بمنظمات الإغاثة والإعاشة، بينما هم لا يعانون من قلة في السلاح والعتاد وأدوات صناعة الخراب والموت؟ علم هذه الأحجية عند عواصم التمويل، التي علينا الاجتهاد في كشفها وتبصر أهدافها.

كاتب وأكاديمي فلسطيني

mohamedalazzar@hotmail.com