الأحداث التي شهدتها إيران على خلفية التشكيك في نتائج انتخاباتها الرئاسية، جاءت في وقت كانت إيران تسعى فيه إلى مد نفوذها الإقليمي، والمساومة على برنامجها النووي. وكل ذلك يدفعنا إلى البحث عن تأثير هذه الأحداث على هذا البرنامج، وعلى مستقبل الدور الإقليمي لإيران، وهو ما يؤدى إلى البحث أيضا عن مستقبل السياسة الإقليمية، وانطلاقا من هذه الأحداث.
ويكاد يتفق المتابعون للشؤون الشرق أوسطية على أن إيران بما شهدته من أحداث، قد خسرت نقطة في صراعها لأن تكون هي الدولة العظمى المركزية في منطقة الشرق الأوسط.
ويرجع ذلك إلى أن جزءا من الرصيد الإقليمي لإيران تحقق عبر تقديمها لنموذج لنخب المنطقة، يقوم على تماسكها السياسي والمجتمعي، ووجود تداول للسلطة فيها عبر آليات شبه ديمقراطية، ولكن الأحداث الأخيرة أظهرت هشاشة وعدم تماسك داخل النخبة الحاكمة، وأن الديمقراطية المنقوصة لم تحصن الانتخابات الرئاسية الأخيرة من غضب ورفض العديد من الناخبين. وكل ذلك يعني أن حالة الانبهار بإيران لدى النخب في المنطقة سوف تتراجع، كذلك فإن ما ترسب من صورة ذهنية لدى شعوب المنطقة عن إيران، سوف يتأثر سلبا في المرحلة المقبلة.
ولقد كان جزءا من عناصر الدور الإقليمي الإيراني أن هناك تقسيما للعمل والأدوار بين جناحي النظام الإيراني، وهما تيارا المحافظين والإصلاحيين، وقد أكدت الأحداث أن الشرخ الذي حدث بينهما أصبح من الصعب أن يتم تجاوزه، خاصة وأنه انتقل ليصبح شرخا مجتمعيا. كذلك فان انشغال النخبة الإيرانية بالصراع المحتدم على خلفية نتائج الانتخابات، قد يشغلها عن البحث عن أدوات وآليات ومراحل توسيع المد الاقليمى لبلدهم. كل ذلك يحدث في الوقت الذي تسعى فيه الدول المنافسة لهم، لأن تسد الثغرات التي تنفذ منها إيران لتوسيع دورها الإقليمي.
وبالطبع فإن من يعرف آليات النظام السياسي الإيراني، يدرك أن عودة التماسك مرة أخرى إلى إيران ما هي إلا مسألة وقت. غير أن إيران تواجه في الوقت الراهن حربا باردة من قبل الولايات المتحدة الأميركية، وهذه الحرب الباردة والنفسية تسعى لأن تضع إيران في موقف الدفاع، بعدما كانت خلال السنوات الماضية، خاصة منذ الحرب الأميركية على العراق، في موقف الهجوم.
وسوف تسعى الولايات المتحدة الأميركية لان تبقي إيران دائما في موقف الدفاع عن النفس، وقد ساعدتها الأحداث الإيرانية على توفير الظروف الملائمة لهذه الاستراتيجية.
ومن النقاط الجديرة بالإشارة أن النخبة الحاكمة في إيران، سعت إلى إعادة انتخاب الرئيس أحمدي نجاد لأسباب تتعلق بالدور الإقليمي، لأن هناك تناغما شديدا بينه وبين المرشد الأعلى، حول السياسيات الخارجية والإقليمية، وأن الرئيس نجاد أعطى المرشد الفرصة لان يمارس دورا واسعا في عملية صنع وتنفيذ السياسات الإقليمية والدولية، وهو ما لم يتوفر مع الرؤساء السابقين الذين كانوا ينازعون المرشد بعض الاختصاصات.
ولكن التجديد الذي تم لولاية الرئيس سيكون أحد أسباب تراجع الدور الاقليمى الإيراني، وهو ما يشبه تحليلات الفيلسوف الألماني هيجل حول دهاء التاريخ.
وبالطبع فان كافة الملفات الإقليمية ذات الصلة بإيران، سوف تتأثر سلبا أو إيجابا حسب موقعها من التفاعلات الإيرانية، ونقصد بها كلا من لبنان، وتسوية الصراع العربي الإسرائيلي. فمن المتوقع أن تفقد حركة حماس العون الأساسي لها على الصعيد الإقليمي، حتى ولو كان ذلك بصورة مؤقتة، كما أن حزب الله اللبناني سيفتقد هو الآخر بعض عناصر القوة، في الوقت الذي فقد فيه زخمه الداخلي بنتائج الانتخابات النيابية اللبنانية.
وكل ذلك يعني أن ما حدث في إيران أثر سلبا على قوى الممانعة العربية، وأعطى زخما لما يطلق عليه، قوى الاعتدال.
ويبدو من سياق وتطورات الحدث الإيراني، أن النخبة الحاكمة سعت إلى التطويق المبكر للازمة، بإعلان مجلس صيانة الدستور عن أن الانتخابات الرئاسية الأخيرة هي الأكثر نزاهة في التاريخ الإيراني، وكل ذلك من أجل إنهاء المشكلة والتفرغ للملفات المهمة للدولة، خاصة الملف النووي، وذلك الخاص بالدور الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط. ولكن يبدو أن القوى الأخرى الإصلاحية رأت غير ذلك، بالإصرار على المضي قدما في الحالة الاحتجاجية.
والملفت للنظر أن البيان الذي صدر منذ أيام عن كل من مهدي كروبي ومير موسوي ومحمد خاتمي، قال إن الإصرار على حصار الحركة الاحتجاجية يعزز الراديكالية، وهو ما يعني أن الصراع بين الطرفين قد يكون امتد إلى الملفات الخارجية، وأن الإصرار على المضي قدما في الاحتجاج وتأسيس إطار سياسي له، يهدف إلى الحيلولة دون اتخاذ السياسة الإيرانية منحى راديكاليا في الداخل والخارج.
وبالتالي فان التيار الإصلاحي لا يهمه إنهاء النزاع من أجل التفرغ للملفات الإقليمية، لأن له وجهات نظر مختلفة حول هذه الملفات.
كاتب مصري
