من بين أكثر المفارقات تأثيراً في علاقات الجماعات داخل الدول وفيما بينها، تزامن وجود تيارين كبيرين متساويين في القوة ومتعاكسين في الحركة والاتجاه.. أولهما، يتعلق بسرعة ظواهر التواصل والتفاعل والانفعال العابرة لكل الفواصل والحدود، بما يبرر الحديث عن سيادة النمطية وتوحيد الأذواق، في المأكل والملبس وأساليب العمران والمسكن والتسوق والاستهلاك والموسيقى والغناء.

وثانيهما، يشير بوضوح إلى رغبة جماعات كثيرة في التقوقع والانكماش على الذات تحت عنوان الاستقلال، والتفتيش داخلها عما يميزها عن الآخرين القريبين منها والبعيدين عنها.. على أسس قومية عرقية أو دينية أو مذهبية طائفية أو لونية، وأحياناً إيديولوجية.

التيار الأول أقرب إلى التساوق مع شروط العولمة ومجاراتها والانخراط في ظواهرها والطأطأة لمقتضياتها، وهو أمر يحدث عند البعض كرهاً ورغماً عن إرادتهم، لمجرد رفضهم للانعزال عما يحدث في الدنيا من حولهم ولا سيما لجهة التطور التقني، بينما هم يضمرون في دواخلهم عكس ما يبدون.

لكن البعض يستمرئ هذا الانخراط والخضوع طوعاً وعن استعداد منهم، للتبرؤ مما يعتبرونه تراثاً متخلفاً ليتهم ينخلعون منه.. وعادة ما يوصف هؤلاء الأخيرون بالاستلاب للآخرين من ذوي السطوة والسلطان العلمي والتقني أو الاقتصادي أو العسكري ونحو ذلك من أسباب القوة.

أما التيار الثاني فهو أميل إلى مقاومة العولمة والتنميط وتعبيراتهما ومظاهرهما، بدعوى الاستعصام بالتقاليد الأولية الموروثة وبالخصوصيات متعددة المصادر. وينتمي إلى هذا التيار أيضاً المقتنعون بسنن الاختلاف والتعدد التي فُطر الناس عليها. تقديرنا ان مغالاة بعض القوى داخل هذين التيارين في الانحياز لأفكارهم ومعتقداتهم، هي التي تقود إلى التطرف المفضي إلى الصدام وربما إلى إراقة الدماء.

مثلاً، من باب المغالاة أن يذهب أحد المعولمين المستلبين إلى «أن المواطنة باتت كالحذاء الذي يستبدله الإنسان بسهولة»! ولا يقل عن ذلك مغالاة وإفراطاً في الانغلاق على المقلب الآخر، من لا يرى العالم إلا في حدود قبيلته أو طائفته أو قومه الأقربين، معتبراً ما وراءهما آخرين مرشحين للعداوة والبغضاء.

والرأي أنه كلما اتسعت دائرة المعتدلين، القادرين على صيانة ذواتهم من الانفراط وفقدان الخصوصية مع الانفتاح على ضرورات العصر، كلما أمن العالم شرور هيمنة واحد من هذين التيارين على الآخر.. وهذه معادلة تمكنت بعض الشعوب من اجتراحها كاليابانيين.. ترى كيف السبيل إلى عولمتها؟

كاتب وأكاديمي فلسطيني

mohamedalazzar@hotmail.com