الصيف يحمل ليس فقط الحر، ولكن أيضا حقائب السفر. وفي باطن حقائب السفر توجد هموم كثيرة. وخارج حقائب السفر هموم أكبر، وعلى رأس هذه الهموم نتيجة العام الدراسي المنصرم. هناك طلاب خسروا عاما دراسيا كاملا (22% منهم)، وهناك آخرون كسبوا الرهان. كلا الطرفين يستحق نتيجته عن جداره.
وعلى رأس الطلاب وعلى رأس الهموم المسؤول عن النتيجتين: البيت أو وزارة التربية والتعليم؟.
لو حسبنا عدد الساعات التي يقضيها الطالب أو التلميذ في المدرسة منذ سن السادسة من عمره (دون حساب السنوات التمهيدية في الحضانة والروضة)، لوجدنا أنها قد تصل إلى ما يقارب 7 إلى 8 ساعات يوميا في بعض المدارس، ناهيك عن بعض النشاطات الأخرى اللازمة والمتعلقة بدراسته، إضافة إلى الوقت الضائع في المواصلات والازدحام المروري والأكل والنوم والمراجعة والاستحمام، فتكون حصة العائلة من ابنها لا تتجاوز 10% من عمره في أحسن الحالات. وبالتالي فإن الكفة ترجح لصالح الوزارة، ويكون الطالب ابن الوزارة إلى أن يحصل على الثانوية العامة، وبعدها يكون مسؤولا عن نفسه.
فعندما تقرض العائلة أحد أبنائها للوزارة لمدة 8 ساعات يوميا، بمعدل 20 يوما (بمعدل 160 ساعة شهريا ؟ 8 شهور دراسية = 2560 ساعة تقريبا)، فهي تنتظر أن يعود الطالب بمردود يوازي هذه الساعات التي قضاها الابن بين مقعد الدراسة والأستاذ. بل أحيانا تقنع بنصف المردود، وفي حالة ميئوس منها بمردود أدنى بكثير.
مسألة الزمن مهمة إلى أبعد الحدود في هذه المعادلة. فعندما يفشل طالب ما بعد مرور كل هذه الساعات + عدد الكيلومترات التي قطعها للوصول والعودة من المدرسة، في تحقيق نصف ما هو متوقع منه، فإن المسألة تحتاج إلى إعادة نظر في عدة أمور متعلقة بمسألة التعليم وكيفية التحصيل، دون إلقاء اللوم على البيت، حيث لا يقضي فيه سوى وقت قصير جدا.
إن فرحنا بنسبة نجاح تصل إلى ما يقارب 78 في المئة، يجب أن لا ينسينا أن هناك 22 بالمئة المتبقين ذهب منهم هدرا إجمالي الفترة الزمنية والمسافة المكانية التي تعرضنا إليها قبل قليل. أي أن 22% من مصاريف الدولة على التعليم راحت هباء. في الواقع لا أحد يتوقع نجاحا يصل إلى مئة في المئة، ولكن المعضلة ليست هنا تماما كما سنرى.
إذا أضفنا إلى خسارة الطالب، خسارة الدولة من الوقت والمكان والإمكانيات واللوجستيات التي توفرها لخدمة الطالب، من تكاليف الإدارة (ابتداء من راتب الوزير إلى راتب أصغر موظف في المدرسة) ورواتب الخبراء والأساتذة والكتب والمواصلات وفواتير الكهرباء والماء... إلخ، لأصابنا الذهول أمام هذا الكم الهائل من المصاريف التي يكلفها الطالب الواحد في العام الدراسي الواحد.
وإذا صحت الأرقام، فإن ميزانية التعليم في دولة الإمارات ارتفعت في عام 2009 إلى 7,9 مليارات درهم. (بلغت ميزانية التعليم في فرنسا مثلا عام 2008 ما يقارب ال410 مليارات درهم). إن تكلفة التعليم في جميع دول العالم تقضم قطعة ضخمة من ميزانياتها. والمسألة ليست في التكلفة ولا في الأعداد. المسألة الخطيرة تكمن في النوعية.
هذه التكلفة الباهظة التي تدفعها الدولة سنويا لتعليم الفرد الواحد، ترى ما هي نتائجها (الحقيقية)؟ أنا ليس لدي اعتبار لأي نسبة مئوية يحصل عليها الطالب، إلا في حدود متطلبات شروط القبول في الجامعات المختلفة. فالنسبة قد تكون نتيجة طبيعية لحفظ المادة (وهذا ما يحصل في أكثر الأحيان) عن ظهر قلب دون وعي ودون إدراك، عن ضربة حظ، عن غش لم يتم ضبطه، أو عن خطأ في حسابات العلامات أو أو أو... لكن ما هو التحصيل الفعلي للطالب في اليوم الواحد في الفصل الواحد في السنة الواحدة على مدى 12 عاما متواصلة؟.
هذه المسألة لا بد أنها لم تمر مرور الكرام بالنسبة للمسؤولين عن التعليم، وأنهم وضعوها في صلب استراتيجياتهم، ولكن ربما لا يملك أحد دراسة علمية موثقة وصحيحة وصادقة عن مستوى ونوعية التحصيل (الحقيقي) لدى طلبة المدارس. والدليل؟ أن نسبة كبيرة من طلاب الثانوية العامة ومن الحاصلين على نسب مرتفعة، يواجهون صعوبات لا حصر لها في التأقلم مع مستوى وأسلوب التعليم العالي، الذي يفترض أنه يمثل صعودا هرميا واستكمالا للتعليم الثانوي، ولكن بشكل أكثر تخصصا وأكثر دقة.
لا يكفي أن نضرب أخماسا بأسداس بغرض وضع ميزانية التربية والتعليم للعام الذي سيلي، ونستقطب الخبرات الأجنبية المكلفة جدا والتي لا تعرف حتى كيف تكتب جملة «مع حمد قلم»، لرفع مستوى تحصيل طلابنا الغارقين في محاولة فك رموز النظريات والمعادلات والأرقام والتركيبات الكيميائية، وأن نجند جيوشا لا أول لها ولا آخر من الموظفين والإداريين لخدمة الطالب، ولكن أن نصب جل اهتمامنا على كيفية الرقي (بنوعية) الطالب في مجال التحصيل نفسه، بنفس التكلفة.
لقد ذكر لي أحد المتفوقين الذي حصل على نسبة عالية جدا في نتائج امتحانات الثانوية العامة، أنه لم يعد يذكر شيئا من مادة كذا، بعد الانتهاء من امتحان تلك المادة. والسبب؟ أنه كان يدرس للنجاح والحصول على نسبة عالية، مع أن والديه لم يقصرا معه حيث جندا له أفضل المدرسين الخصوصيين في كل مادة... والآن هو فرح بأنه يحمل شهادة الثانوية العامة، وغير عابئ بمسألة الحصيلة العلمية النهائية... وهذه كارثة.. فالنتيجة تكون إذن= 0.
معادلة صعبة بين التعلم والتحصيل، والقراءة والفهم، والحفظ والتفسير.. تماما كما الفرق بين الربيع والخريف...
والأمل في أن يضع وزير التربية والتعليم الجديد خطته الجديدة، واضعا في الاعتبار ليس فقط تعديل الهيكل الإداري للوزارة وللمناطق التعليمية والمدارس، ولكن في كيفية التعامل مع الطالب على أنه استثمار فكري واقتصادي، في آن واحد..
جامعة الإمارات
