لا تزال أحداث الأزمة الانتخابية الإيرانية تحتل المركز الأول في الإعلام العالمي، وقد تباينت ردود الأفعال الدولية إزاء هذه الانتخابات، فما بين مؤيد ومعارض ومحايد انقسمت تلك الآراء.

ففي حين أن الدول الغربية اتخذت مواقف متشددة في إدانة طريقة تعامل السلطات الإيرانية مع المتظاهرين السلميين، مطالبة بمزيد من الحريات والانفتاح ومعرفة ما حدث في انتخابات الرئاسة الإيرانية، نرى موقف دول الخليج الرسمي يتخذ موقف الحياد، وهو في الواقع جزء من السياسة الخارجية العربية إزاء أحداث إيران، التي ارتأت أن تراقب وتنظر وتتابع ما يحدث دون أن تبدي أي تدخل يذكر.

ففيما عدا بعض التصريحات التي صدرت من بعض المسؤولين العرب كوزير خارجية دولة الإمارات سمو الشيخ عبد الله بن زايد الذي أكد أن أحداث إيران هي أحداث داخلية ولا يحق لأي جهة أن تتدخل فيها، وتصريح وزير خارجية سوريا وليد المعلم الذي أكد على خسارة من يراهن على سقوط النظام الإيراني، وأمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني الذي امتدح التجربة الديمقراطية في إيران، لا نرى أي موقف عربي أو خليجي رسمي، أو أي نية للتدخل.

فدول الخليج أبعدت نفسها عن التدخل في متاهات الشأن الداخلي الإيراني، وأوضحت للإيرانيين أن دول الجوار الخليجي لإيران أكثر مسؤولية وأكثر رغبة في أن يسود الأمن والاستقرار، وأنها غير مرحبة بأي قلاقل أو فوضى في ذلك البلد الجار. ومن هذه المواقف قيام إحدى الدول الخليجية بإغلاق إحدى الصحف، لأن أحد النواب انتقد ما أسماه «نظام الملالي» في إيران، كما أصدرت الحكومات الخليجية بيانات رسمية تطالب فيها الجميع بعدم التدخل في الشأن الإيراني والالتزام بالهدوء، ومن هذا المنطلق منعت بعض الحكومات تجمع بعض الجاليات الإيرانية التي تشكك في نزاهة الانتخابات وتؤيد موسوي.

أعتقد أن دول الخليج نأت بنفسها عن التدخل في الشأن الإيراني من منطلق معايير عدة، منها: أن الموقف الخليجي اتجاه ما حدث في إيران، هو تعبير عن رغبة صادقة لدى الدول الخليجية في أن يتحقق الأمن والاستقرار للمنطقة الخليجية، وأن تبتعد عن كل ما من شأنه إشعال نار الفتنة والتوتر. هذا الموقف الخليجي المسؤول ليس بموقف جديد أو غريب على السياسة الخارجية الخليجية تجاه إيران، وإنما هو نابع من عقيدة ملؤها التسامح ومد يد التعاون والصداقة مع الجار الإيراني، فدول الخليج أعلنت مراراً وتكراراً أنها ضد أي عدوان يمكن أن يتم أو يخطط له ضد إيران من أي طرف كان.

وأنها مع امتلاك إيران للطاقة النووية السلمية، وهذا ما ذهب إلى تأكيده سمو الشيخ عبد الله بن زايد في المؤتمر الصحافي المشترك الذي جمعه بنظيره التركي في أنقرة مؤخراً، عندما أكد بقوله: «إن إيران بلد عريق له بعد تاريخي وحضاري في منطقتنا والعالم، لا بد من تقدير ذلك واحترامه..»، كذلك قوله في ما يتعلق بامتلاك إيران للطاقة النووية: «نحن نعتقد أن هناك حقاً لإيران في امتلاك القدرة النووية لإنتاج الطاقة وللأغراض السلمية.

ولكن لا بد أن تكون هذه المعايير واضحة تحظى بالقبول من قبل الوكالة الدولية للطاقة النووية وتنال ثقة دول الجوار..»، بالإضافة إلى أن دول الخليج وقفت في وجه العديد من المحاولات التي قادتها أطراف دولية عدة من أجل الضغط على إيران واحتوائها. دول الخليج لم تتوقف عن مد يد المصافحة للحكومة الإيرانية في مواقف عدة، منها على سبيل المثال دعوتها لحضور اجتماعات قمم مجلس التعاون، ودعوة قيادتها للاجتماع بالقيادات الخليجية بشكل مستمر.

ثاني هذه المعايير أن دول الخليج تعلم أن أحداث إيران الأخيرة مثلت صراعا سياسيا بين تيارين أساسيين في إيران، هما التيار المحافظ والتيار الإصلاحي الذي خرج من عباءة المحافظين أساساً. دول الخليج تدرك أن كلا التيارين ينطلقان من قاعدة واحدة، فهذه الدول تعاملت مع الاثنين خلال السنوات الماضية من عمر الجمهورية الإسلامية الإيرانية. نعم، لقد كان عهد الإصلاحيين في ظل رئاسة الرئيس محمد خاتمي أكثر انفتاحاً وتعاوناً بين الجانبين الإيراني والعربي.

إلا أنه ظل متمسكاً بالعديد من القضايا الجوهرية التي تعد ملفات خلاف بينه وبين الجانب الخليجي ولم يبد فيها أي تنازل يذكر، كقضية الجزر الإماراتية والبرنامج النووي الإيراني وموضوع الجرف القاري مع دولة الكويت. ومن ينسى بداية التوغل الإيراني في العراق وفرض سيطرتها على ذلك البلد الذي بدأ في الأساس مع عهد الإصلاحيين في فترة الرئيس خاتمي، مع الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003! فكلا التيارين متمسكان تماماً بالمبادئ العامة في القضايا الهامة المتعلقة بأمن إيران في علاقتها بالدول الخليجية، وغير مستعدين للتنازل عنها، وهو ما أعلن عنه قادة التيار الإصلاحي في الانتخابات الأخيرة مثل موسوي وكروبي.

إلا أن الإصلاحيين كانوا أصحاب نبرة هدوء وتعاون وانفتاح، ولم يكونوا أصحاب نبرة تشدد ونقد رافض للغير، وكانوا على رغبة في مد يد التعاون وفتح آفاق جديدة في العلاقات بين الطرفين، رغم عدم استعدادهم للخوض في المسائل الخلافية العالقة بين إيران والدول الخليجية. وإن كانت منطقة الخليج بحاجة إلى نبرة الإصلاحيين أكثر من حاجتها إلى نبرة المحافظين، إلا أن دول الخليج تعلم أن وصول المحافظين أو الإصلاحيين إلى سدة الحكم في إيران، هي شأن داخلي لا شأن لدول الخليج فيه ولا مصلحة لهم في الدفع باتجاه تيار دون الآخر.

أما بالنسبة للمعيار الآخر الذي نستطيع من خلاله قراءة موقف دول الخليج المحايد تجاه الانتخابات الإيرانية، فهو أن دول الخليج تدرك أنها لا تملك أوراق ضغط كافية يمكن أن تستخدمها ضد إيران، في حين أن الطرف الإيراني يملك العديد من أدوات الضغط التي يستطيع أن يحركها، ليس فقط في دول الخليج وإنما في أطراف ودول عربية أخرى.

إيران مقبلة على فترة حرجة، فهي تشهد متغيرات كثيرة على الصعيد الداخلي، والمطلوب من دول الخليج في هذه الفترة أن ترصد وتدرس جميع هذه المتغيرات الداخلية بهدوء وعقلانية، لأنها ضمناً ستؤثر على المنطقة بالسلب أو بالإيجاب.

كاتبة من الإمارات

F_mansouri78@hotmail.com