تتعرض منطقة الشرق الأوسط إلى اهتزازات عميقة تشبه تلك التي تسبق الزلازل، أو الثورات البركانية. نشاط واسع وحثيث في المنطقة وحولها يشمل معظم العناصر الفاعلة والمتناقضة، ويعكس مدى تضارب المصالح والاستراتيجيات والأهداف لقوى طامحة، وأخرى غير راضية عن بيئة لا تحقق لمصالحها الاستقرار والتوسع.
خلال الأيام الأخيرة، ارتفعت نبرة التهديدات والمؤشرات بشأن الموقف من الملف النووي الإيراني، الذي يشكل مجرد عنوان صاخب لتطور نفوذ وتأثير وقوة إيران في المنطقة، إلى حدود تزعج قوى دولية وإقليمية ربما وصلت إلى استنتاج بضرورة وضع حد لهذه القوة الإقليمية، وقبل أن تتجاوز ما يمكن اعتباره الخطوط الحمراء، التي قد تجعل من إيران قوة فوق إقليمية، ومقررة.
فبعد أن كانت الولايات المتحدة، في بدايات عهد الرئيس باراك أوباما تحذر إسرائيل من القيام بأي عمل عسكري منفرد ضد إيران، ورغم النفي اللاحق، تعود على لسان نائب الرئيس جو بايدن، لتعطي ما يمكن اعتباره ضوءاً أخضر لإسرائيل، إذ قال إن بلاده لن تتدخل ولن تعترض على عمل عسكري تقوم به الدولة العبرية ضد إيران.
ليس هذا وحسب، بل إن جملة من المؤشرات تفيد بأن التهديدات الإسرائيلية لإيران تتخذ أبعاداً جدية، فبعد المناورات العسكرية الكبرى والمتكررة التي قامت بها القوات الإسرائيلية، وأحياناً بمشاركة المارينز الأميركي، خلال العام الماضي وهذا العام، تتسرب معلومات نفتها إسرائيل، ونفتها المملكة بشدة، تدعي أن السعودية وافقت على استخدام أجوائها السيادية إذا ما قررت إسرائيل توجيه ضربة جوية للمفاعلات النووية الإيرانية.
وفي هذه الأثناء تشير المعلومات إلى عبور بعض القطع البحرية الإسرائيلية في قناة السويس، واحتمال توسيع وجود المزيد من القطع البحرية في ميناء إيلات على البحر الأحمر.
ومع التصريحات الإسرائيلية التي تشير إلى سخونة الأوضاع مع إيران، فإن أكثر من مصدر إيراني، عسكري ومدني، حذر إسرائيل من رد حاسم وقوي في حال أقدمت على عمل من هذا النوع. الحكومة الإسرائيلية الحالية برئاسة نتنياهو.
ومن خلال الكتل الحزبية الرئيسية التي تتشكل منها، كانت منذ البداية قد صممت استراتيجية تضع معالجة الملف النووي الإيراني على رأس جدول الأعمال، حتى أن نتنياهو قد أشار إلى أن معالجة هذا الملف ستساعد على دفع عملية السلام في المنطقة. كان هذا المنطق الإسرائيلي هو السبيل للرد على الاستعجال الأميركي لإنعاش عملية سلام تؤدي خلال فترة قصيرة إلى قيام دولة فلسطينية، مما يستلزم وقفاً كاملاً للاستيطان، وهو ما يخالف السياسة الإسرائيلية ويتعارض معها.
البعض لا يزال يتساءل عن كيفية معالجة هذا التعارض، خصوصاً وأن الكل يعلم أنه لا يمكن أن يصل إلى حد خلخلة العلاقات التاريخية بين الطرفين الحليفين: أمريكا وإسرائيل.
وربما اعتقد البعض أيضاً أن هذا التعارض يشكل اختباراً لمدى قدرة الإدارة الأميركية على فرض رؤيتها لأوضاع المنطقة، حين تصطدم بموقف إسرائيلي عنيد إزاء قضية تشكل أحد أهم أعمدة المشروع الصهيوني كقضية الاستيطان. إسرائيل حاولت إقناع حليفتها الولايات المتحدة بضرورة تعديل موقفها إزاء تجميد الاستيطان، مرة من خلال اقتراح بالتجميد لمدة ثلاثة أشهر، ومرة من خلال حصر البناء الاستيطاني بحدود الاستجابة لحاجات التكاثر الطبيعي، ومرات من خلال ربط تجميد البناء الاستيطاني بشروط على الفلسطينيين والعرب.
تطالب إسرائيل العرب بتقديم ضمانات تتصل بتطبيع العلاقات معها، وتطالب الفلسطينيين بالاعتراف مسبقاً بالطابع اليهودي للدولة، وإسقاط حق اللاجئين بالعودة، مقابل الموافقة على تجميد الاستيطان، مما يعني أن إسرائيل تريد أن تقبض ثمن الدولة الفلسطينية حتى قبل أن تبدأ المفاوضات بشأنها.
الرئيس باراك أوباما أشار هو الآخر إلى أن إدارته تربط موضوع تجميد الاستيطان بموضوع التطبيع، وطالب العرب باتخاذ خطوات تشجيعية، كما طالب إحدى دول المغرب العربي بالمساعدة في تحقيق ذلك. هذا يعني أن المراهنين من العرب على تغيير إيجابي في السياسة الأميركية لصالح الحقوق الفلسطينية والعربية، عليهم أن يتوقفوا وأن يمعنوا النظر في ما يجري.
وفي ما ينتظر المنطقة. دفعة واحدة وخلال أسبوع واحد، عدلت الإدارة الأميركية مواقفها بالاستجابة للمواقف والسياسات الإسرائيلية، سواء من خلال ربط الموقف من الاستيطان بشروط التطبيع والاعتراف بالدولة اليهودية وإسقاط حق اللاجئين بالعودة، أو من خلال إعطاء إسرائيل الضوء الأخضر للتصرف مع إيران، خصوصاً بعد الأحداث الداخلية التي اندلعت فيها عقب انتخابات الثاني عشر من الشهر الماضي، وتوتر علاقات إيران بالبلدان الغربية عموماً.
ويبدو أن إدارة أوباما عازمة على تغيير وجه المنطقة، وبناء الشرق الأوسط الجديد وفق معادلات جديدة، وهو ما فشلت إدارة بوش في تحقيقه، وأن هذه الإدارة قد تلجأ إلى استراتيجية الحوار والاستيعاب كأولوية، لكنها لن تضيع المزيد من الوقت، حتى تستخدم الضغط والتهديدات غير المباشرة والمباشرة، إلى حد استخدام القوة لتنفيذ أهدافها.
على أن التغير التكتيكي الآخر الذي يحصل لدى إدارة أوباما، عدا عن أولوية استخدام الحوار والاستيعاب، يكمن في إعادة تفعيل بعض القوى الإقليمية الحليفة كرأس حربة من أجل تحقيق الأهداف، وهنا تتقدم إسرائيل كأداة هامة تنتظر الفرصة لتوسيع نفوذها وتأثيرها الإقليمي، على سياسات دول المنطقة وعلى السياسات والمصالح الدولية.
تراهن إسرائيل على أن أولوية معالجة ما تسميه الخطر الإيراني، سيضعها في موقع أفضل إزاء تحقيق شروطها وطلباتها من الفلسطينيين والعرب، وحتى إزاء المطالبات الدولية لها بشأن الاستجابة لمتطلبات عملية سياسية، تؤدي إلى قيام دولة فلسطينية وإقفال ملف الصراع العربي الإسرائيلي.
كاتب فلسطيني
