في القرن الثامن عشر ظهر في فرنسا مصطلح عرف ب«جمهورية الكلمات»، وهو اصطلاح أطلق على مجموعة من المثقفين والكتّاب والمبدعين شكّلوا فيما بينهم، ومن غير قصد، أدبيات فكرية تمشي عكس التيارات السائدة آنذاك، تمخّضت عنها مفاهيم جديدة في الحياة والطبيعة والدين وغير ذلك. لم يكن هؤلاء الكتاب يتواصلون بين بعضهم البعض إلا بالكلمات التي كانت تملأ صناديق البريد، وتُتداول في الصالونات الأدبية.

كان السبب الرئيسي في إطلاق مصطلح جمهورية الكلمات على مساجلات الفلاسفة وحوارات المفكرين، هو أن هذه الآراء استطاعت أن تنير الرأي العام في أوروبا في تلك الفترة، وتكشف حقائق للمجتمع لم يكن بوسعه الاطلاع عليها، حتى أصبحت هذه الآراء تشكّل في ما بينها ما يشبه الجمهورية.

وكما هو معروف فإن الجمهورية هي الدولة التي تبنى قوّتها السياسية على إرادة الشعوب، ولذلك لم تكن جمهورية الكلمات تفرض رأياً معيّنا على أحد، وكان للناس الحق في مناقشة الآراء ونقضها كما يشاؤون، فتشكل فضاء فكري معرفي، يضاهي في قوّته قوة الجمهوريات التي نشأت بعد سقوط الأنظمة الملكية في تلك الفترة.

ولذلك تعرضت مجموعة من أولائك الفلاسفة والمفكرين كفولتير، للسجن أحياناً وللنفي في أحيانٍ أخرى، حيث كانت تخشى الأنظمة الملكية أن تقوى شوكة جمهورية الكلمات، وهو ما حصل لاحقاً رغم الاضطهاد وحرق الكتب والملاحقة القضائية.

لقد كان القرن الثامن عشر قرن حراك فكري ما زلنا نقرأ إنتاج مبدعيه وفلاسفته إلى اليوم، ولقد أدى ذلك التفاعل المعرفي إلى تنشيط حركة النشر والصحافة والبحث العلمي، مما أسس لقاعدة حضارية مهمة مفادها أن الكلمة وحدها قادرة على حكم الشعوب، وأن الأمم التي تسافر الكلمات بين مدنها وعلى صفحات جرائدها دون أن تتوقف عند نقاط تفتيش، هي التي ستبقى تقود الأمم الأخرى.

لقد أثبت لنا التاريخ أن حريّة التعبير هي إحدى الركائز الحضارية التي تقوم عليها الدول وتزدهر، فعندما نقرأ في تاريخ أوروبا نجد اسم فريدريك العظيم، ملك بروسيا في القرن الثامن عشر، يُذكر على صفحات كتب التاريخ في مختلف فصولها، السياسية، والفكرية، والاقتصادية، والعسكرية أيضاً.

فلقد اشتهر فريدريك، الذي كان يتواصل مع فولتير من خلال جمهورية الكلمات، بأنه أوّل ملوك أوروبا تقريباً، الذين قبلوا بالتنوع الديني والطائفي في دولهم التي كانت إحدى أقوى دول أوروباً حينذاك. ولقد كان إلى جانب ذلك مهتماً بتفعيل الحوار الفكري من خلال أكاديمية العلوم في برلين، حيث وضع مرة جائزة لأحسن مقال يجيب عن سؤال، هل من الملائم أن تخدع الناس؟ مما ولّد اهتماماً جماهيرياً في أوروبا وأسس لفكرة النقاش الحر في الصحف والمجلات والدوريات.

ولا يمكن لأحد أن ينكر أن الازدهار الاقتصادي والسياسي الذي شهدته بروسيا في عهد فريدريك، لم يكن لحرية الرأي دور رئيسي في ترسيخه وتنميته على مر السنين، وإن كان بطريقة غير مباشرة.

إن فرض رقابة على الفكر وحرية التعبير تعني أن تحتقن الأفكار في العقول إلى أن تصبح مرضاً عضالاً يفتّ في الجسم، ليحّولها إلى مشاعر لا تفتأ أن تنفجر في هيئة مظاهرات ثم ثورات، وما يحدث في إيران اليوم هو انعكاس لهذه الحقيقة التي أثبتها التاريخ في عدة مواقف.

إن منع الكلمة يعني إيقاف عجلة التطور، فالتطور يعني الإنتاج، والإنتاج يعني الصناعة، والصناعة تعني البحث، والبحث يبدأ بالفكرة، والفكرة تأتي بالحوار وإبداء الرأي ليتشكّل نسيج من الرأي والرأي الآخر يصب في النهاية في مصلحة المجتمع لا في مضرّته.

إن الأمم التي وصلت إلى القمر واكتشفت نواة الذرة، استطاعت أن تفعل ذلك لأنها استوعبت البديهيات الإنسانية الأساسية في بناء الحضارة، وأهمها حريّة التعبير، فعندما يكون الإنسان حراً في التعبير عن ذاته فإنه يستطيع أن ينظر إلى المستقبل.

إن من حق الإنسان أن يعرف الحقيقة، وفي رحلة المعرفة لا بد من عثرات، وعندما يخطئ المرء في تحرّيه للحقيقة ويتجاوز خطأه ـ أحياناً ـ حدود المعقول، فإنه تجوز محاسبته في حدود المعقول أيضاً، ولكن لا يحق لأحد مصادرة حقه في بحثه عن تلك الحقيقة.

في صلح الحديبية، رفض عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ بادئ الأمر شروط الصلح، وقال للنبي صلى الله عليه وسلم: «فعلام نعطي الدنيّة في ديننا؟». لقد كانت لحظة حاسمة، أبدى فيها عمر رأيه للنبي أمام الملأ فلم يأمر النبي بقطع رأسه، ولا بحبسه، ولا حتى منعه من الكلام، بل استمر ـ عليه الصلاة والسلام ـ في العمل الذي أمره به ربّه، ثم لحقه باقي المسلمين في القصة المعروفة.

أن نغلق صحيفة هو عمل شبيه بإغلاق مسجد، فإذا كانت المساجد أماكن لحرية الأرواح، فإن الصحف أماكن لحرية الأفكار، وهو إلى جانب ذلك عمل قد انتهى تاريخ صلاحيته منذ زمن طويل.

الجزاء من جنس العمل، ولا ينكر أحد أن تغرّم صحيفة ما غرامة مالية لخطأ ارتكبته، ولكن لا يمكن أن نستوعب، بعد ثلاثمئة عامٍ من حرية التعبير في العالم، أن تُغلق صحيفة لأي سبب كان، وكما قال نابليون: «الرأي العام قوّة لا يمكن مقاومتها». حتى الشيطان الذي رفض النزول عند أمر ربّ العزّة والسجود لآدم، لم يُرمَ في النار مباشرة، بل أُنظرَ إلى يوم يبعثون.

yasser.hareb@gmail.com