شهدت موسكو منذ أيام انعقاد أول قمة روسية أميركية بعد تولي الرئيس أوباما منصبه في الإدارة الأميركية، القمة الأولى للرئيسين مدفيدف وأوباما، حملت في ثناياها رياح تغيير على ملامح العلاقات بين موسكو وواشنطن، والتي طغت عليها حالة من البرود والتوتر، وربما الصدام والمواجهة خلال الأعوام الماضية في ظل إدارة بوش السابقة.
ولعل التعبير عن تفاؤل مختلف الأوساط السياسية بانعقاد هذه القمة، جاء قبل انعقادها بأسابيع، وسبب هذا التفاؤل كان التغيير الواضح في الخطاب الأميركي إزاء روسيا، وتقارب مواقف البيت البيض مع مواقف الكرملين في عدد من الملفات الدولية الساخنة، وعلى رأسها أزمة البرنامج النووي الإيراني.
حيث تراجعت واشنطن عن منطق استخدام القوة وتبنت موقف موسكو الداعي للحوار وتسوية الأزمة عبر السبل الدبلوماسية، وينطبق ذلك أيضا على أزمة كوريا الشمالية، التي نلمس تقاربا واضحا في التعامل معها بين مواقف البلدين. أما ما يخص الملف الشرق أوسطي، فقد اقترب الموقف الأميركي من رؤية موسكو لسبل تسوية هذه الأزمة، خاصة بعد أن تبنى موقف رفض بناء المستوطنات والتأكيد على ضرورة تأسيس الدولة الفلسطينية على أن تتعايش مع جارتها إسرائيل.
المعضلة الحقيقية لم تكن في هذه الملفات الساخنة والتي كانت إدارة بوش تتعامل معها وفق منطق القوة، وإنما الخلاف الذي ما زال قائما كان حول ملف الأسلحة النووية الدفاعية والهجومية.
حيث تقترح واشنطن تقليص الرؤوس النووية لحوالي ألف وخمسمائة رأس نووية، فيما يرفض العسكريون الروس هذا التقليص لما قد يسببه من تهديد للأمن القومي، باعتبار أن إزالة الرؤوس النووية الروسية تتطلب إتلافها، خلافا للتقنية الأميركية التي تكتفي بتفكيك هذه الرؤوس، ومن ثم يمكن إعادة تركيبها عند الحاجة.
ولعل هذا ما دفع موسكو لربط تقليص الرؤوس النووية وفق المقترح الأميركي، بتخلي واشنطن عن مخطط نشر الدرع الصاروخية في شرق أوروبا. الجديد في الموقف الأميركي أن إدارة أوباما اعتبرت ملف الدرع الصاروخية جزءا من موضوع الأسلحة النووية الدفاعية والهجومية، ما يعني عدم اعتراضها على أن يكون موضع بحث ومناقشة، كما أعلن أوباما انه سيعرض على الروس تصاميم منظومات الجزء الثالث من الدرع، ودعا للتعاون مع روسيا في مواجهة مخاطر انتشار السلاح النووي، وتأسيس منظومات دفاعية.
وهو ما كانت موسكو تدعو إدارة بوش في السابق للعمل عليه، ولا تلقى سوى الرفض أو التجاهل. ولا شك أن موقف إدارة أوباما لم تجر عليه أية تعديلات فيما يخص نشر الدرع الصاروخية وفي مسألة انضمام جورجيا وأوكرانيا لعضوية حلف الناتو، ولكن المرونة التي تحدث بها الرئيس الأميركي عبرت عن توجه جديد في إدارته يستهدف إيجاد نقاط الالتقاء مع روسيا وبقية أطراف المجتمع الدولي، خلافا لسياسات سلفه جورج بوش.
وقد اقترح الرئيس أوباما في هذا السياق عقد قمة نووية في روسيا لبحث سبل منع انتشار الأسلحة النووية، وإتاحة الفرصة لدول العالم لاستخدام الطاقة النووية في الأغراض السلمية، ما عكس حالة من الثقة تتنامى بين إدارة أوباما والكرملين.
لا شك أن قضايا الخلاف الأساسية ما زالت قائمة، وحتى الاتفاق على تقليص الرؤوس النووية ما زال محل بحث ومناقشة، إلا أن مرونة لهجة الحوار الأميركي، والتي قابلها الكرملين بالنوايا الطيبة، ليس فقط بتقليص ترسانته النووية خلال السنوات الماضية، وإنما من خلال دعم موسكو للاتفاق القرغيزي ـ الأميركي على بقاء القوات الأميركية في قاعدة ماناس الجوية، وتوقيع اتفاق إمداد قوات الناتو في أفغانستان بالمؤن والذخائر عبر الأراضي الروسية..
كل هذه المؤشرات تعكس حرصا لدى الجانبين على البدء في حوار مثمر وبناء، وتعبر عن قناعتهما بأن أساليب القوة لن تجر سوى الخراب كما حدث في العراق.
ويبدو أن ملامح مرحلة جديدة في العلاقات الدولية بدأت تظهر وتتشابه إلى حد كبير من سمات العالم متعدد الأقطاب، ما قد يعني نهاية المواجهات والصدامات التي تهدد أمن واستقرار المجتمع الدولي.
خبيرة اقتصادية روسية