اضطلع نائب الرئيس الأميركي جوزيف بايدن بمهمة صعبة في العراق، فهو مكلف من قبل الرئيس أوباما بتحقيق تقدم سياسي يعزز ما تحقق على المستوى الأمني من إنجازات، وهي مهمة لم يستطع الفرقاء العراقيون مقاربتها بنجاح، بسبب أن العديد منهم تجاوز الخطوط الحمراء التي وضعها لحدود تحركاته.
لم يخفِ بايدن بعضاً من قلقه حول مستقبل مهمته، فقد صرح وهو على متن الطائرة التي أقلته إلى بغداد، في الأول من يوليو الجاري، قائلاً: «إني أعتقد أن العراق قد تجاوز خطر صراع طائفي أو عرقي واسع».
طيلة السنوات التي بدأت منذ عاصفة الصحراء 1991، كان هناك صراع بين الخارجية الأميركية والبنتاغون حول من يتولى مسؤولية الملف العراقي، ويبدو أن تلك المرحلة قد انتهت، بعد أن استقر هذا الملف بين يدي نائب الرئيس الأميركي، بالتزامن مع انسحاب القوات الأميركية من المدن العراقية إلى معسكرات غير بعيدة عنها. ويأتي التكليف بهذه المهمة في ظروف شهد العراق فيها تحسناً أمنياً، إلا أنه شهد تعقيدات سياسية أيضاً، ربما تدفع به إلى أزمات جديدة تتراجع في ضوئها الدعوات للمصالحة الوطنية. فقد طرأ في الآونة الأخيرة ما يشير إلى ذلك في محورين هامين:
1 ـ إقرار برلمان إقليم كردستان دستور الإقليم، حيث وضعت حدوده الجغرافية لتضم إليه محافظة كركوك وبعض المدن من محافظات أخرى، إضافة إلى قضايا أخرى غيرها ستكون، بكل تأكيد، موضع خلاف شديد مع الحكومة المركزية في بغداد.
2 ـ الدعوات التي طرحها رئيس الوزراء العراقي حول ضرورة الانتقال من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي، والتوقف عن انتهاج ما يسمى «الديمقراطية التوافقية».
والحقيقة أن هذه الدعوات، تعتبر إيجابية في سياق السعي نحو نظام ديمقراطي، إذا صاحبها تخلٍ حقيقي عن الاصطفافات الطائفية وخروج واضح إلى الفضاء الوطني الأرحب. وقد قوبلت هذه الدعوات بالرفض من قبل التحالف الكردستاني، والتحفظ من قبل جبهة التوافق، معتبرين إياها بمثابة محاولات لإقصائهما عن المشاركة في صناعة القرار السياسي. فما تتمتع به هاتان الكتلتان من نفوذ سياسي، قد بني على مبدأ التوافق وليس على حسابات تستند إلى حجم ما تمتلكه كل كتلة من الرصيد الشعبي.
فإذا كان المحور الأول يسهم في توسيع شقة الخلاف بين الأكراد وبين العرب والتركمان، ويُكسب مفهوم المصالحة الوطنية بعداً جديداً ويجعل الملف الخاص بها أكثر تخمة، فإن المحور الثاني لا يترك أحداً من الفرقاء خارج دائرة الصراع.
طورٌ جديد من الوجود الأميركي في العراق عبر عنه بايدن بالقول بأن مهمة الولايات المتحدة في المرحلة القادمة ستكون دبلوماسية، وأن المدخل الأساسي لاستقرار العراق هو المصالحة الوطنية، وهو ما اعتبره الناطق باسم الحكومة العراقية تدخلاً في الشأن الداخلي، في تناقض صارخ مع تصريحات بايدن في الخامس من يوليو الجاري لشبكة أي بي سي الأميركية، من أن رئيس الوزراء العراقي قد أخبره «أن العراق قد يطلب المساعدة الأميركية في تحقيق المصالحة».
والحقيقة أن حديث بايدن عن المصالحة الوطنية قد رافقه موقف واضح وصريح للضغط على الحكومة العراقية، حين قال للمسؤولين العراقيين الكبار الذين التقاهم، بلهجة اعتبرها البعض تهديدية: «إن الولايات المتحدة ستعيد النظر في التزاماتها إذا عاد العنف للعراق».
رسالة بايدن في منتهى الوضوح والصراحة: الولايات المتحدة لا تزال تمتلك اليد العليا في صناعة القرار العراقي، رغم حرص البعض على تضخيم حجم السيادة التي حصل عليها العراق في الثلاثين من يونيو المنصرم. الولايات المتحدة معنية بشكل كبير بالمصالحة الوطنية في العراق، على اعتبار أنها السبيل الوحيد لإحلال الأمن والاستقرار في ربوعه، وبالتالي تمكين الرئيس أوباما من الإيفاء بالوعد الذي التزم به أمام الرأي العام الأميركي، خلال حملته الانتخابية، وهو سحب القوات الأميركية من العراق قبل الموعد المحدد في الاتفاقية الموقعة بين البلدين.
القوى الفاعلة في العراق، المنخرطة في العملية السياسية، أو المعادية لها، أو المتحفظة عليها، لها رؤى متباينة حول مستقبل البلد، والمصالحة الوطنية تدور حول كيفية التوفيق بين هذه الرؤى للخروج بصيغة ينشط الجميع في إطارها، فهناك:
1 ـ اتجاه لتحويل العراق إلى دولة ذات طابع ديني قريب الشبه بما هو حال الدولة في إيران، وهو ما تسعى إليه بعض الكتل السياسية الموالية لإيران داخل الائتلاف العراقي الموحد.
2 ـ اتجاه لإعادة الوجه العروبي إلى العراق، وهو ما تسعى إليه القوى القومية، ومنها من لا يزال مواليا للنظام السابق.
3 ـ اتجاه لبناء دولة مدنية ديمقراطية ذات طابع علماني يلقى فيه الجميع المساحة التي ينشدونها من الحرية، وتقيم هذه الدولة علاقاتها مع دول الجوار على أسس المصالح والمنافع، ولا تأخذ سوى بمبدأ البراغماتية في خططها. ورغم أن الاتجاه الثالث ليس بقوة الاتجاهين الأولين، إلا أنه، من ناحية أخرى، قد يكون بمثابة الحل الوسط الذي بدأ يلقى دعماً شعبياً، خاصة.
وأن إرث النظام الشمولي السابق الذي لا يزال ماثلاً للعيان، يضعف كثيراً من طروحات القوميين ويوهن شعبيتهم، إضافة إلى أن الكتل السياسية الدينية التي استلمت مقاليد السلطة في العراق منذ التاسع من إبريل 2003، قد قدمت، من خلال أدائها السيئ، ما يكفي لإقناع الجمهور العراقي، بالتخلي عنها. وهذا الاتجاه، لا يتعارض مع ما تسعى الولايات المتحدة إلى تحقيقه.
لم تخل زيارة بايدن من إثارة حساسية أطراف عراقية عديدة إزاءه، فقد فتحت هذه الزيارة ملفه الشخصي أمام العراقيين: جوزيف بايدن المتبجح بولائه للصهيونية، صاحب المشروع الذي أقره مجلس الشيوخ الأميركي (غير ملزم) لتقسيم العراق على أسس عرقية وطائفية إلى ثلاثة أقاليم، مع إنشاء حكومة مركزية في العاصمة تتمتع بسلطات محدودة. وقد رفض هذا المشروع من قبل إدارة الرئيس السابق بوش رفضاً باتاً في حينه، كما قوبل بالرفض من قبل معظم الكتل العراقية المشاركة في العملية السياسية، معتبرة إياه مشروعاً استفزازياً يتحدى مشاعر العراقيين.
ملف المصالحة الوطنية بقي يراوح مكانه سنين طويلة، إلا أنه قد انتقل، بعد زيارة بايدن، إلى مستوى أعلى من الأهمية، فلم يعد استحقاقاً عراقياً غافياً، بل أصبح استحقاقاُ أميركياً صاحياً.
كاتب عراق
