الثروة السمكية في البلاد تدر أرباحاً طائلة، والبحر ما زال يغدق من خيراته وطابور من العاملين في صيد الأسماك اليوم هم من جيل الشباب الذين تمسكوا بمهنة الأجداد والآباء، والتسهيلات التي يحصلون عليها سواء من الجهات الحكومية الاتحادية أو المحلية، بالإضافة إلى الخدمات التي تقدمها لهم جمعيات الصيادين التي ينضمون إليها فتحت المجال أمام عودة شبابنا إلى اقتصاد الثروة السمكية، اقتصاد خيرات البحر.
ولكن يبقى أمر السوق هو الذي عليه استفهامات كثيرة، وسبق وان كتبنا وقلنا مراراً إن خيرات البحر لا تصل إلى المواطنين العاملين في المهنة إلا بعد أن يتم عصرها عصراً من قبل المتحكمين في عمليات البيع والشراء، وهم في الغالب أجانب، فالصياد المواطن يتوقف دوره عند توريد أسماكه التي اصطادها إلى السوق وهناك يخضع لشرط التاجر الأجنبي، أصحاب الدكك، الباعة الآسيويين، فهم في النهاية من يحدد سعر الشراء، وقلنا إن هناك «رباطيات».
واتفاقات سرية بينهم يوجهون من خلالها دفة اقتصاد السوق وفق ما يشتهون، يبيع الصياد المواطن أسماكه في المزاد العلني، الذي هو فخ منصوب له، ثم يذهب إلى حال سبيله، لكن بضاعته التي باعها يتضاعف سعرها حينما تصل إلى متناول المستهلك، ليصبح الربح الحقيقي هو بيد التاجر الأجنبي، أو الآسيوي، فيما لا يصل للصياد المواطن إلا «الفتات».
وقلنا في السابق انه لابد من وضع اليد على السوق بكامله، أي ان تصبح دكك عرض الأسماك مملوكة بالكامل لمواطنين، وليست مجرد رخص مؤجرة بأبخس الأثمان، أي ان يصبح تجار السوق هم المواطنون، ملاك الدكك، وهذا لن يأتي إلا بقرار يمنع تأجير الرخصة للأجانب.. وإذا كان المواطن يعزف عن الوقوف خلف دكة البيع، فإمكانه أن يعيّن بائعاً، يقوم بالبيع فقط ولا يدخل طرفاً في التجارة.. مثل هذه المحددات من شأنها أن تعود بخيرات اقتصاد الثروة السمكية لأبناء البلد، لا أن يبقوا على هامشها ولا يحصلوا إلا على فتاتها.
في تصريحه المنشور بالأمس أكد عمر المزروعي رئيس مجلس إدارة جمعية دبي للصيادين بوجود ممارسات خفية واتفاقات سرية بين التجار الآسيويين للتحكم في دفة أسعار السوق عبر التحايل على أسلوب المزادات، وأشار إلى أن النقطة التي نتحدث عنها وهي أن الصياد المواطن لا يحصل إلا على القليل من السعر الحقيقي.
وأكد كذلك أن الجمعية ماضية في مشروعها لتمكين الصياد المواطن من السوق، وتعديل الأوضاع القائمة حالياً، وتوسيع منافسة الجمعية من خلال فتح نوافذ جديدة لترويج الأسماك وبيعها لمنافذ مختلفة، وهذا الشيء يطمئن، طالما أن الجمعية التي هي مسؤولة عن أوضاع الصيادين المواطنين تدرك ما يهدد اقتصاد الثروة السمكية، وتدرك أساليب معالجة تلك الظاهرة الخطأ.
لكن يبقى أمر تجار السوق هو الذي يجب أن يكون على رأس قائمة الاهتمام، فما الذي يمنع من توطين تجار أسواق السمك ومنع تأجير الرخص التجارية فيها؟ فمثلما فرضت القوانين الداعمة لتوطين مهنة الصيد بفرض النوخذا المواطن، بالإمكان أيضاً فرض التاجر المواطن وهو الحل الذي سيعود باقتصاد الثروة السمكية إلى أهله الحقيقيين.
كفانا تأجير رخص على الآخرين والانزواء انتظاراً للإتاوة السنوية التي تأتي منها!!
