طبقاً لمعايير البنك الدولي فان الفقير هو من يقل دخله اليومي عن دولارين.. فدون هذا المبلغ لا يستطيع أي إنسان في هذا الكون تلبية حاجاته الأساسية من الطعام والسكن والملبس والمياه الصالحة للشرب، ناهيك عن الحديث عن الرعاية الطبية والصرف الصحي وخدمات البنية التحية الأخرى.
نعرف أن حالة الفقر تتصل تلقائياً بالجوع، بيد أنه إلى وقت قريب ظل التمييز بين الفقير والجائع أمراً ممكناً، باعتبار أنه ليس كل فقير جائعاً، وأن فقراء العالم أكثر عدداً من جائعيه.
اللافت أن اتجاه التطابق بين حالتي الفقر والجوع آخذ في التصاعد بوتيرة مقلقة، بمعنى أن معظم الفقراء باتوا مرشحين لدخول دائرة الجوع بالمعنى الحرفي!
مؤشرات هذا الاتجاه المؤلمة نطالعها في التقارير الصادرة حديثاً عن منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (الفاو)، وبرنامج الغذاء العالمي، والصندوق الدولي للتنمية الزراعية.. ومؤداها أن عدد الجوعى في العالم وصل عام 2008 إلى مليار و20 مليون شخص، وهذه نسبة لم تحدث من قبل.
ومن التفصيلات نلاحظ أن معظم هؤلاء الجياع ينتمون إلى عالم الجنوب، في آسيا ومنطقة المحيط الهادئ وإفريقيا وأميركا الجنوبية وشعوب الكاريبي والشرق الأوسط وشمال إفريقيا (العالم العربي؟!). ولا يزيد عدد جوعى البلدان الصناعية المتقدمة على 15 مليوناً فقط.
النتيجة عموماً، أن السنوات العشر الأخيرة أضافت خمسين مليوناً إلى قائمة الجياع عالمياً.. ما يعني أن هؤلاء يزيدون في كل عام بما يوازي تقريباً سكان دولة مثل بلجيكا! مهم جداً في هذا السياق أن نتوقف عند تعليق جاك ضيوف مدير عام «الفاو» «.. إن تفاقم الجوع لا يأتي نتيجة لبوار المحاصيل أو فشل المواسم الزراعية، بل هو نتاج لأزمة اقتصادية عالمية..».
يريد الرجل أن يقول ان توسع نطاق الجوع عالمياً ليس من صنع الطبيعة، وإنما يعود إلى سوء إدارة البشر لعلاقاتهم بالطبيعة وببعضهم البعض. هذا إعلان براءة للطبيعة وإشارة اتهام للناس.
ونحسب أن نظرة بانورامية لخريطة الجوع والجياع، نجدها تترجم بأمانة علاقات القوة التاريخية والمعاصرة بين الشمال والجنوب. فالشمال القوي المتقدم يكاد يخلو من الجوعى ويعيش حالة من الرفاهية وما بعد الرفاهية.. أما الجنوب فينحدر من الفقر المدقع إلى الجوع الكافر! الشمال ينفق ببذخ على صناعة أسلحة الموت، ولو أنه خصص هذا الإنفاق لقطاعات تساعد على إنعاش الحياة وإغاثة الأحياء، لحذف مفهوم الجوع من قاموس البشرية.