على ما يبدو أنه ليس فقط عدم الثقة وسوء النوايا هما العائقان أمام تطور ونمو العلاقات بين موسكو وواشنطن، بل هناك عامل آخر ربما لا يقل خطورة وأهمية وهو «سوء الفهم». وبالقطع فإن سوء الفهم هذا ليس ناتجا عن عدم معرفة كل منهما الجيدة بلغة الآخر، بل ناتج عن أن كلا منهما يريد أن يفهم كما يحلو له وكما يتمنى.

وهذا وارد في العلاقات بين الدول، لكن ما هو غير وارد وغير مقبول أن يتقول أحد الطرفين على الآخر ما لم يقله، ثم يقال إن هذا ببساطة كان سوء فهم لما قيل، خاصة إذا مس الأمر قضايا حيوية كالقضايا الأمنية.

فقد أعلن وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس في كلمة له ألقاها أمام أعضاء لجنة الاعتمادات المالية بمجلس الشيوخ الأميركي، أن آفاق التعاون بين الولايات المتحدة وروسيا تحسنت في الفترة الأخيرة، حتى أنه بات بمقدور الولايات المتحدة نشر بعض منظومتها الدفاعية المضادة للصواريخ في الأراضي الروسية.

ورصد غيتس هذا «التحسن» بعد لقاء لم يحدد مكانه ولا تاريخه مع فلاديمير بوتين، الذي قال لغيتس وقتذاك إن الإيرانيين لن يتمكنوا من صنع صاروخ يستطيع الوصول إلى أوروبا الغربية وروسيا قبل عام 2020، «ثم اعترف الروس بأنهم أخطأوا» وفق ما قاله غيتس، والحقيقة أن هذا اللقاء لا وجود له إلا في خيال وزير الدفاع الأميركي غيتس، ولم يحدث من قبل.

لا يستبعد أن يندرج ما قاله غيتس لأعضاء إحدى لجان مجلس الشيوخ، في إطار تمهيد الطريق لزيارة الرئيس أوباما إلى موسكو. هذا من جهة، ومن جهة أخرى ليس مستبعدا أن يكون غيتس خلط روسيا بأذربيجان. وكان بوتين قد اقترح على الأميركيين أن يستخدموا محطة الرصد الروسية الموجودة في أذربيجان، بدل إنشاء ما هو جديد لمراقبة المجال الجوي في أوروبا الشرقية قرب روسيا. وقالت وزارة الدفاع الروسية إن موسكو لم تغير سياستها تجاه إيران.

ولا يوجد أي اقتراح أميركي لإقامة ما هو تابع للمنظومة الدفاعية الصاروخية الأميركية في الأراضي الروسية، ومن جانبها قالت وزارة الخارجية الروسية إنها لم تفهم تماما ما قاله روبرت غيتس. وقال مصدر في وزارة الخارجية الروسية إن الأميركيين يتجادلون فيما بينهم حول التعاون مع روسيا، ثم يقولون أشياء غريبة وغير مفهومة، ولم يقدموا أي اقتراح بشأن الدفاع المضاد للصواريخ إلى موسكو.

ولا يستبعد أن يكون الهدف من وراء كلام غيتس أمام لجنة الاعتمادات، هو حصول وزارة الدفاع الأميركية على اعتمادات إضافية من الكونجرس، فهم من أجل هذا الهدف لا يتوانون عن فعل أي شيء حتى الكذب.

لقد سبق أن التقت مجموعة رباعية من موسكو وواشنطن في العام الماضي تضم وزيري الخارجية والدفاع من كلا البلدين، لمناقشة قضية الدرع الصاروخي الأميركي ونشره في شرق أوروبا في أراضي بولندا وتشيكيا، وخرجت الوزيرة الأميركية السابقة كوندوليزا رايس من الاجتماع غاضبة تماما وصرحت بأن التفاهم مع موسكو حول هذه القضية يواجه صعوبات شديدة، وخرج وزير الدفاع الأميركي غيتس من اللقاء ليقول بأن موسكو لا تريد الوصول لحل أو تفاهم مع واشنطن.

وكان هذا تقريبا آخر لقاء لمسؤولين من البلدين على هذا المستوى لمناقشة هذه القضية، ولم يحدث أن ناقش فلاديمير بوتين مع وزير الدفاع الأميركي هذه القضية، لا أثناء رئاسته لروسيا ولا وهو رئيس للوزراء.

فكيف لوزير الدفاع الأميركي أن يختلق لقاء مع بوتين من خياله ويصرح على لسان بوتين بكلام لم يقله بوتين؟ هل هذا سوء فهم متعمد أم غير متعمد، ولمصلحة من هذا التلفيق؟ يبدو أن وزير الدفاع الأميركي يقصد من وراء ذلك تحقيق مصالح لجهات معينة داخل الولايات المتحدة، حتى يوافق الكونجرس على صرف اعتمادات مالية كبيرة للدرع الصاروخية الأميركية.

كاتب روسي

Luon1935@kin.ru