تنام إمارة رأس الخيمة على كنز تاريخي وحضاري عظيم، هو حضارة جلفار تاريخ طويل وعريض وحافل بمنجزات مهمة يعود إلى ما قبل الميلاد وعشرات القلاع والحصون كلها تضم بين جدرانها وطينها قصصاً لأحداث تاريخية مرت بالبلاد، هذا الإرث الوطني المهم الذي تحتفظ بأسراره البحوث والكتب والمراجع التاريخية يحتاج إلى مشروع عظيم يوازيه في العظمة.

فالأمر ليس فقط عمليات ترميم، بقدر ما هي إعادة إحياء للحضور، والأمر لا يعني إمارة رأس الخيمة وحدها، فهذه الحضارة التي نقف على أطلالها اليوم هي كنز وطني يهم الجميع، صيانته وإبرازه ودعمه بالبرامج التي تعرف به وتجعله حياً في حياة الناس، قابلاً للتعاطي، قابلاً للبحث والإبحار في منجزاته الإنسانية، مد الجسور بينه وبين الأجيال الشابة التي يجب ان تعرف جذورها أمر في غاية الأهمية.

في الحديث الشامل الذي أدلى به سمو الشيخ سعود بن صقر القاسمي ولي عهد ونائب حاكم رأس الخيمة لـ «البيان» أمس أكد سموه ان رأس الخيمة مقبلة على إقامة مشروع سياحي تراثي ضخم يتضمن بناء مدينة رأس الخيمة الأثرية بهدف الحفاظ على الآثار القديمة التي تبرز حضارة جلفار في التاريخ ووضعها أمام أجيال المستقبل لكي تكون كتاباً مقروءاً لهم..

هذا التأكيد وهذا العزم يشيع في الصدر فرحة بعد قلق وخوف على اندثار وفقدان وضياع كنوز تاريخية تصرف عليها الأمم والشعوب المتقدمة المليارات من الأموال من أجل جعلها حاضرة في المشهد الحياتي وتأكيد عمقها وشموخها.. فآثار إمارة رأس الخيمة التي تنام على أحداث ضاربة في المكان والزمان، تحتاج الكثير من العناية لكي يجني مردودها.

وهي قادرة على ذلك باعتبار ان تلك الآثار هي دروس في التاريخ الذي مر بالمنطقة، والأحداث التي تنضوي عليها تبرز الملامح الحضارية لإنسانها.. هذا المشروع سيعيد للأمكنة التراثية المتعددة في الإمارة القها وستصبح حقاً داعماً رئيسياً للاقتصاد السياحي فيها، فتاريخ جلفار يتقاطع بشكل أو بآخر بالحضارات التي مرت على المنطقة، سواء كانت تلك الحضارات عربية أم أجنبية، وجلفار في التاريخ المكتوب قصة مشوقة مليئة بالإثارة وبالرموز التاريخية، شخصيات محلية عديدة، أحمد بن ماجد، فرسان الحروب والبحارة المقاومون، زنوبيا تدمر وبلقيس سبأ، جيوش أجنبية مرت عبر الحملات البحرية، صمود أبطال الجبال، أسرار معارك الأساطيل، وغيرها..

هذا كله حينما يتحول إلى واقع حي عبر مدينة أثرية سياحية تتمتع بأحدث نظم تكنولوجيا عرض المعلومات وعرض اللقى والآثار.. تقدم وجبه تاريخية كاملة الدسم عن المنطقة ومفردات رموزها من الأبنية والقلاع والحصون والوجوه التي كانت والتي مرت.. هذا كله يصبح له قيمة مادية كبيرة بلغة الاقتصاد السياحي ورأس الخيمة إمارة تؤهلها طبيعتها وكنوزها النائمة عليها لكل هذا.

كنت قبل ثلاثة أسابيع أقف بين صخور ما يسمى بقصر الزبا التقط صوراً لما تبقى من حجارته التي تكاد تختفي.. غمرني الحزن لاستمرار تلاشي هذه الذكرى والمكان الذي ينز بالحكايا والقصص، لكن خبر مشروع رأس الخيمة الأثرية بدا يغذي القلب بجرعات فرح وأمل.

mhalyan@albayan.ae